من فقه الدعوة في خطاب مؤمن آل فرعون .. الجمع بين العاطفة والحكمة والمصلحة الدنيوية
بقلم: د. علي محمد الصلابي
يقدّم القرآن الكريم نماذج بديعة في الحكمة الدعوية وأساليب الخطاب المؤثر، ومن أبرزها موقف مؤمن آل فرعون الذي واجه قومه بكلمات تجمع بين العقل والعاطفة والحكمة السياسية. فقد خاطبهم بلسان الناصح المشفق، مذكّرًا إياهم بنعمة الملك والسلطان، ومحذرًا من عاقبة الظلم وإنكار البينات. ويكشف هذا الموقف القرآني عن منهج رفيع في الدعوة والإقناع، يقوم على الحكمة، واستحضار المصالح، والتنبيه إلى سنن الله في نصرة الحق وزوال الباطل.
خاطب مؤمن آل فرعون عقول قومه بموضوعية استثار مصالحهم الدنيوية، ولمسهم لمسة مادية، فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ (غافر: ٢٩). فذكرهم بملكهم وسلطانهم ورفاهيتهم في حياتهم، وحذّرهم من الأقدام على قتل موسى بطريق غير مباشر، وكأنه يقول لهم: اليوم لكم الملك، وأنتم ظاهرون في الأرض، منعمون فيها، فإذا قتلتم موسى - وكان صادقاً في أنه نبي رسول الله - فماذا سيفعل الله بكم؟ إنه سينتصر لنبيه، ويوقع بكم بأسه وعذابه، فهل تقدرون على دفع العذاب عنكم؟ إنه لا يوجد أحد ينصرنا من بأس الله، ونلاحظ في كلمات هذا الداعية الحكيم أنه لم يوجّه كلامه لفرعون، وإنما وجّه كلامه للقوم، ولعلّ من أهدافه في ذلك ألا يبدأ "بيانه" في احتكاك مباشر مع فرعون، حتى لا يثيره، والأهم من هذا أنه يريد أن يؤثر في القوم، وأن يكسبهم إلى جانبه، فهم المقصودون في كلامه.
وكان قاصداً "تجاهل" فرعون، وعدم مخاطبته لأنه لا يطمع في تغيير موقفه، وكسبه إلى جانبه، ومن حرصه على التقرب إلى قومه، أشرك نفسه معهم في دفع ثمن قتل موسى، واستقبال عذاب الله، والعجز عن دفعه، وذلك في قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ يقول لهم: أنا واحد منكم، مصيرنا جميعاً واحد، فلنفكر معاً كيف نبتعد في بأس الله وعذابه (الخالدي، 2/494).
وفي قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾: تحبب وتقرب إلى قومه، وهذه الآية فيها فقه سياسي، وفي مجيئها بعد الآية التي قبلها دلالة على معنى جديد؛ لأن التي قلبها هي الرفض القاطع لإنكار البينات، لأن البديل لإنكار البينات هو الظلم، وأن الحصن الحصين الذي يحمي الملك هو الحق والعدل والانقياد للبينة، لأن البينة معنى عام، قد تكون في الدين، وقد تكون في العلم، وقد تكون في السياسة، ومن حصانة الملك ومن حمايته العدل والحق والإنصاف، إن مؤمن آل فرعون حذّر قومه من خطورة الظلم المتمثل في إنكار البينات، وأن نتيجة الظلم وإنكار البينة هو ضياع هذا الملك، لأن الله لا يترك الطاغين وإنما ينزل بهم بأسه، وإذا نزل بنا بأس الله فلن نجد عليه نصيراً (أبو موسى، ص 479).
لقد بيّن مؤمن آل فرعون لقومه بأن الله أنعم عليكم بهذا الملك، والظهور في أرض مصر بالكلمة النافذة، والجاه العريض، فراعوا هذا النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله عليه السلام، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله، وأن هذه الجنود والعساكر لا تغني عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء (المغراوي، 29/342).
إن الرجل المؤمن يشعر بما يشعر به القلب المؤمن من أن بأس الله أقرب ما يكون لأصحاب الملك والسلطان في الأرض، فهم أحق الناس بأن يحذروه، وأجدر الناس بأن يحسوه ويتقوه، وأن يبيتوا منه على وجل، فهو يتربص بهم في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، ومن ثمّ يذكرهم بما هم فيه من الملك والسلطان، ثم هو يجعل نفسه فيهم، ويذكرهم ببأس الله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾، ليشعرهم أن أمرهم يهمه، فهو واحد منهم، ينتظر مصيره معهم، وهو إذن ناصح لهم، مشفق عليهم، لعل هذا أن يجعلهم ينظرون إلى تحذيره باهتمام، ويأخذونه مأخذ البراءة والإخلاص، وهو يحاول أن يشعرهم أن بأس الله إن جاء فلا ناصر منه، ولا مجير عليه، وأنهم إزاءه ضعاف ضعاف (سيد قطب، 5/3079).
لقد استخدم مؤمن آل فرعون المنهج العقلي في خطابه لقومه في الآية السابقة، وفي هذه الآية وظف المنهج العاطفي في أسلوب مميز تحت جناح عاطفة القرابة الحميمة، حيث جمع فيها مؤثرات نفسية، ومؤثرات قيمية، ومؤثرات حضارية، ومؤثرات عقدية، وكل هذه المؤثرات تجذب، وتستدر العاطفة لأنها تجمع التقارب بين الداعي والمدعو (الخياط، ص 340).
ومن المؤثرات التي استعملها في خطابه أيضاً: المؤثر الحضاري المتمثل في نعمة الملك ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، فخوفهم من انتزاعه منهم لو أنهم تعرضوا لقتل موسى، والتخويف في حد ذاته من أساليب التأثير العاطفي (الخياط، ص 342)، وكان فرعون حاضراً المشهد، واستمع إلى كلمات الرجل المؤمن، وأدرك فرعون أثرها على القوم، وخشي أن ينجح المؤمن في التأثير فيهم، وكسبهم إليه، فاضطر فرعون إلى التدخل، والتصريح بأن الحق لا يكون إلا معه، ولهذا خاطبهم بمنتهى الاستعلاء والتكبر (الخالدي، 2/494).
المصادر والمراجع:
1. الخالدي، صلاح. القصص القرآني .. عرض وقائع وتحليل أحداث.
2. أبو موسى، محمد محمد. من حديث يوسف وموسى عليهما السلام في الذكر الحكيم.
3. المغراوي، محمد بن عبدالرحمن. التدبر والبيان في تفسير القرآن بصحيح السنن.
4. سيد قطب. في ظلال القرآن.
5. الخياط، بشير علي أحمد. مؤمن آل فرعون؛ دراسة دعوية تحليلية، رسالة دكتوراه، السودان، كلية الدعوة الإسلامية في جامعة أم درمان، 1432ه/ 2011م.