الخميس

1447-10-28

|

2026-4-16

ليلة القدر .. ليلة السلام حتى مطلع الفجر

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

من رحمة الله تعالى بعباده أن جعل بعض الأزمنة متميزةً بفضلها وبركتها، ودعاهم فيها إلى التقرب إليه والاجتهاد في الطاعة، حتى تسمو نفوسهم وتصفو قلوبهم. والغاية من ذلك أن يبلغ الإنسان أعلى المقاصد، وهو نيل رضا الله والفوز بمحبتِه ورحمتهم وعفوه. ولأجل هذه الحكمة العظيمة جعل الله في أوقاتٍ متعددة فرصًا لعباده ليزدادوا قربًا منه؛ فآخر الليل هو أشرف أوقات اليوم، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وبين أشهر السنة اختصّ الله شهر رمضان بفضلٍ عظيم، فمن صامه إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه. وقد جعل الله خير هذا الشهر أواخره، حيث العشر الأواخر، وفيها أفضل ليالي العام على الإطلاق، وهي ليلة القدر. ولا أدلّ على عظم مكانة هذه الليلة وبركتها من أن القرآن الكريم أفرد سورة خاصةً بها، وسميّت باسمها، سورة القدر، قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)} [القدر: 1 – 5] (1).

وثبت عن عدد من السلف، ومنهم ابن عباس وقتادة، أن الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن هي ليلة القدر. وسميت هذه الليلة بــ"ليلة القدر" لعظيم شأنها ورفعة منزلتها عند الله تعالى، ولِما يقع فيها من مغفرة الذنوب وستر للعيوب؛ فهي ليلة يغمر فيها العفو الإلهي عباده. وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي ﷺ قال: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) [البخاري (1910)] (2).

وقال الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]، أي أن العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر في غيرها. ويتحقق ذلك بمضاعفة ثواب الأعمال الصالحة، واستجابة الدعوات، وتعاظم أجر الصدقات وسائر القربات، إضافة إلى ما يفيضه الله فيها من الخيرات الدينية والدنيوية.

ومن مظاهر فضل هذه الليلة أن الملائكة تتنزل فيها إلى الأرض، وهو دليل على مكانتها العظيمة؛ إذ تمتلئ هذه الليلة بالخير والبركة، وتظل أبواب الرحمة فيها مفتوحة حتى طلوع الفجر، فهي ليلة يسودها السلام والطمأنينة، وتحيطها الملائكة، وتبقى عامرة بالخير إلى أن يبزغ الصباح.

كما أنها سلامٌ للمؤمنين من كل مخوف، لكثرة من يُعتق فيها من النار ويُنجّى من عذابها. وفيها تُغفر الذنوب، وتُقال العثرات، ويُعفى عن الزلات، وتُستجاب الدعوات لمن أحياها إيمانًا بالله وثقةً بفضله، محتسبًا الأجر والثواب، مخلص النية، مقتديًا بالمصطفى ﷺ (3).

وقد أخفى الله تعالى تحديد ليلة القدر بين ليالي شهر رمضان، وبيّن الرسول ﷺ أن التماسها يكون في العشر الأواخر، مع التأكيد على تحريها في الليالي الوترية منها. والحكمة من ذلك أن يجتهد المؤمن في العبادة طوال الشهر، ويزداد نشاطه في العشر الأواخر، ثم يضاعف حرصه في الليالي الوترية، رغبةً في إدراك هذه الليلة المباركة ونيل فضلها، حتى وإن لم تظهر له علاماتها (4).

وقد وردت عدة أحاديث في بيان وقت التماسها، منها ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يُجاوِر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ، ويقول: ((تَحرَّوا ليلةَ القَدْر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ)) [رواه البخاري ومسلم]. كما نقلت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ((تَحرَّوا لَيلةَ القَدْرِ في الوَتْر من العَشرِ الأواخِرِ من رمضانَ)) [رواه البخاري]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنه قال: ((تَحرَّوا ليلَةَ القَدْرِ في السَّبْعِ الأواخِرِ)) [رواه مسلم]. وقال ﷺ: ((ليلة القدر من كان متحريها فليتحرّها في ليلة سبعٍ وعشرين)) [رواه أحمد].

ومهما يكن وقتها على وجه التحديد، فإن ليلة القدر ليلة عظيمة الشأنِ رفيعةُ القدر، وينبغي للمسلم أن يسعى إلى إدراكها بالاجتهاد في الطاعة والعبادة خلال العشر الأواخر كلها، فمن وُفِّق لقيامها فقد نال خيرًا عظيمًا. فلنحرص على التماسها بالإكثار من العبادة والطاعة، رجاء أن يغفر الله لنا ما تقدم من ذنوبنا، وأن نفوز برضوانه وجنته، وذلك هو أعظم ما يطلبه المؤمن (5).

المراجع:

1. أحمد عبد المجيد مكي، وقفات تربوية مع دعاء ليلية القدر، موقع قصة الإسلام، 15 يوليو/تموز 2015، رابط: : https://bit.ly/2jYgTf6.

2. دروس رمضانية، سلمان العودة، (دار الوطن للنشر)، الطبعة الأولى 1991، ص88.

3. صفحات رمضانية، أ.د عبد الكريم العمري، (دار المآثر للنشر)، الطبعة الأولى 2001، ص75.

4. الصيام ورمضان، عبد الرحمن الميداني، (دار القلم)، الطبعة الأولى 1987، ص177.

5. صفحات رمضانية، أ.د عبد الكريم العمري، (دار المآثر للنشر)، الطبعة الأولى 2001، ص 76.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022