الخميس

1447-10-28

|

2026-4-16

اسم الله "السلام" بين المعنى اللغوي والدلالة العقدية

بقلم: د. علي محمد الصلابي

إن اسم الله "السلام" من الأسماء الحسنى التي تحمل في طياتها معاني الكمال والبراءة من كل نقص أو عيب، كما يعكس دلالات السكينة والأمن والطمأنينة التي يضفيها الإيمان بالله تعالى في حياة الإنسان. ويشير هذا الاسم العظيم إلى أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلام الحقيقي في الكون، ومنه تنبع كل معاني الطمأنينة والاستقرار، وقد ورد هذا الاسم مرة واحدة فقط في القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: 23]، ليؤكد وحدانية الله وكمال صفاته وتنزيهه عن الشريك والنقص. كما يرتبط مفهوم السلام في الإسلام بمنظومة واسعة من القيم التي تدعو إلى نشر الأمان والسلام بين الناس، وتؤكد أن السلام الحقيقي يتحقق بالارتباط بالله تعالى والالتزام بتعاليم دينه.

واسم الله السلام في اللغة يعني: البراءة من العيوب والنقائص، ويشمل في ثناياه معاني متعددة كالسكينة والأمن والاستقرار والهدوء (الشعراوي، 1992، ص 149).

والسلام: هو الذي سلمت ذاته وصفاته وأفعاله من كل ما لا يليق بكماله، وكذلك من اسم السلام اشتُقَّ الإسلام، وهو دين الله (عقيل، 2010، ص 72)، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].

يقول ابن القيم: من اسم السلام جلَّ جلاله قولان: أحدهما: أنه مصدر، وإطلاقه عليه كإطلاق العدل عليه، والمعنى: أنه ذو السلام، وذو العدل على حذف المضاف. والثاني: أن المصدر لمعنى الفاعل أي: السالم، كما سُمّيت ليلة القدر سلاماً، أي: سالمة من كل شرٍّ بل هي الخير لا شر فيه (عقيل، 2010، ص 82).

قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: 23]، في هذه الآية كل اسم من أسمائه الحسنى يؤكد على الصفة التي تسبقه ويحتويها، فالملك هو الله، والقدوس هو الله، والسلام هو الله جلَّ جلاله؛ ولأنها هي الله تعالى، فهي بطبيعة الحال تحتوي كل صفات الكمال فيها، ولذلك فإن اسم الله يحتويها، ومع أن هذه الآية ثلاثية الأبعاد، إلا أنها نزلت وحدة واحدة متماسكة بنياناً مرصوصاً. والأبعاد هي:

- فالبُعد الأول: "هو الله الذي لا إله إلا هو" في هذا البعد ينفي وجود إله غيره، ويتم التأكيد على أنه الله الذي لا شريك له في الأمر، إنه الله الواحد الأحد، ولا وجود لإله غيره، وهذا يعني: إذا كان هناك من يعتقد بوجود إله غير الله تعالى فلا يجده ولن يجد له مكاناً، ولن يجد له صفات، ولذلك كفر الذين قالوا: إنَّ الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: 73].

- البُعد الثاني: "الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر"، هذه الأسماء جميعها هي الله؛ الذي تمَّ التأكيد عليه بالبعد الأول بأنه لا إله إلا هو، وهذا يعني: أن هذه الأسماء وغيرها من الأسماء الحسنى هي غير متعددة، بل هي صفات تتعدد لواحد لا يتعدد، ولذلك فإن القاعدة هي: تتعدد الصفات للواحد، ولا يتعدد الواحد في صفاته، فالكريم عندما يكون صادقاً وعادلاً يظل هو واحد وصفاته متعددة، ولهذا فإن الله واحد أحد، وصفاته متعددة، فالحمد لله الواحد المتعدد الصفات الحسان.

- والبعد الثالث: "سبحان الله عمَّا يشركون"، يؤكد هذا البعد بالتمام مقاصد البعدين السابقين بأن الله واحد أحد، وهو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، أي: هو الذي له الأسماء الحسنى ولذلك جاء قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لينفي وجود الشريك، ويؤكد على الواحد الأحد متعدد الصفات (عقيل، 2010، ص 84).

والسلام سبحانه وتعالى هو الذي منه جاءت السلامة، ولذا فإن السلامة تابعة للسلام وأثر من آثاره، فهو تعالى الأول قبل كل شيء، وتحتوي السلامة البراءة من كل شر وسوء، ومن كل مرض وألم، ومن كل جهل وفقر، ومن كل حسد وعلة، وفي مقابل ذلك: فهي القوة التي تتضمن المقدرة والاستطاعة والسيطرة والعطاء (عقيل، 2010، ص 84).

فالله سبحانه وتعالى مصدر السلام والأمن، وكل من ابتغى السلامة عند غيره، سبحانه، فلن يجدها، وهذا معنى قوله ﷺ: "اللهم أنت السلام ومنك السلام" (صحيح مسلم، رقم: 591)، ولذلك سميت الجنة دار السلام؛ لأن من دخلها سلم من الآفات والشرور والمنغصات والأكدار، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 64].

ومن ذلك تحية الإسلام التي حث الإسلام على إفشائها، وذلك في قوله ﷺ:"لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" (صحيح مسلم، رقم: 54)، وفي إفشائه إشاعة للأمن والودِّ والسلام بين الناس، ومن ذلك سلامه – عز وجل – على أنبيائه المرسلين، وذلك في:

- قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٨٠ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ۝١٨١ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝١٨٢﴾ [الصافات: 180-182].

- وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 179].

- وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: 109].

- وسلامه سبحانه على عباده الصالحين كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59]، وغير ذلك. (عقيل، 2010، ص 84-85).

المصادر والمراجع:

1. الشعراوي، محمد متولي، (1992)، تفسير الشعراوي، مكتبة الأسرة، 1992م.

2. عقيل، عقيل حسين، (2010)، مختصر موسوعة أسماء الله الحسنى، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط1 2010م.

3. الصلابي، علي محمد، نبي الله هود عليه السلام وأسباب زوال حضارة قوم عاد.

4. صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1972م.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022