تأملات تفسيرية في قوله تعالى:
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾
بقلم: د. علي محمد الصلابي
لما سمعت مريم البشارة من جبريل عليه السلام بأنها ستنجب عيسى فوجئت ودُهشت واستغربت إنها فتاة عذراء، ولم تتزوج، فمن أين يأتيها ذلك الولد؟ قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]. ولقد صارحت جبريل باستغرابها؟ تركت جبريل وتوجهت إلى الله وناجته ونادته: (رب) أي: يا رب يا الله. (أنَّى): اسم استفهام بمعنى (كيف) ويدل على المفاجأة والدهشة. (يكون): فعل مضارع ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، و(ولد) فاعل للفعل (يكون) التام. (ولم يمسسني بشر): الجملة في محل نصب حال: أي: وحالي أني لم يطأني بشر ولست ذات زوج ولا عزمت أن أتزوج (المنجد، ص 558).
وجاءها الجواب يردّها إلى الحقيقة البسيطة التي تخفى عن البشر لطول ألفتهم للأسباب والمسبَّبات، لعلمهم القليل ومألوفهم المحدود:
ـ ﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]
وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب وتزول الحيرة، ويطمئن القلب، ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب: كيف عجبتِ من هذا الأمر الفطريّ الواضح القريب، وهكذا كان القرآن ينشئ التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة، بمثل هذا اليسر الفطري القريب، وهكذا يجلو الشبهات التي تعقّدها الفلسفات المعقَّدة، ويقرُّ الأمر في القلوب وفي العقول سواء (سيد قطب، 1/398).
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] أي: كهذا الخلق الذي تجدينه في أن يكون لك ولد من غير أن يمسَّك رجل، وهو إبداع بخلق الله تعالى، ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه، وهذه الجملة السامية تفيد أموراً منها:
أن هذا النوع من التكوين، وهو إنجاب من غير أبٍ هو في قدرة الله تعالى؛ لأنه الخالق المبدع، وما هو غريب عليكم هو في قدرته سبحانه، لأن من خلق الخلق الأول وخلق السنن الكونية وغيرها قادر على تغييرها، لأنه مبدعها ومنشئها.
أن خلق عيسى أمر من الله تعالى، وعيسى ليس إلا مخلوقاً من مخلوقاته، فهو أبدعه كما أبدع غيره من المخلوقات، فليس إلهاً ولا ابن إله.
أن خلق الله تعالى بمشيئته وإرادته، وهذا فيه إشارة إلى السبب الذي من أجله خلقه الله تعالى من غير أبٍ، وهو أن المخلوقات لا تصدر عن الله صدور المعلول عن علّته، ولكنها توجد بإيجاده، وتنشأ بإبداعه ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ [الأنعام: 101] وفي ذلك ردّ علميٌّ على أهل الفلسفة المادية التي تقول إن العالم نشأ عن العقل الأول نشوء المعلول عن علّته، ثم أشار سبحانه إلى عظيم قدرته (أبو زهرة، 3/1225)، بقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *﴾، أي أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يوجد أمراً لا يوجده إلا بكلمة (كن)، وعبَّر سبحانه عن الإيجاد بـ(قضى)؛ للإشارة إلى أن إيجاده للأشياء ليس إلا من قبل الحكم عليها بالوجود، فإذا حكم بالوجود في أمر نفذ حكمه، وحكمه هو أن يقول (كن)، فيترتب على ذلك أن يكون.
وهل الأشياء حقيقة تنشأ بمجرد الإرادة الإلهية أم أنَّ هذا تصوير لسهولة الخلق؟
الظاهر أن هذا بيان لسهولة ذلك على خالق الخلق وبارئ النسم، فهو تمثيل لبيان قدرة الله عزَّ وجل الشاملة، وسهولة الإنشاء عليه سبحانه وتعالى، ونفاذ إرادته في خلقه، ولذلك جاءت الإجابة في مثل هذا المقام بهذا المعنى في سورة مريم، فقد قال الله تعالى في الإجابة عن استغرابها في تلك الصورة: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آية لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 21].
وهذا التعبير الكريم صريحٌ في أن السياق لبيان سهولة مثل هذا الخلق على خالق الخلق، ويفيد أيضاً أن المقصود بيان أن الله سبحانه فعَّال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، ربنا لا ترهقنا من أمرنا عسراً (أبو زهرة، 3/1226).
وهكذا أخذت مريم رضي الله عنها البشارة من جبريل عليه السلام وصارت على يقينٍ بأن الله سيهبها ولداً وما بقي إلا تنفيذ هذه البشارة، وتحقيق ما وعدها الله به (الخالدي، 4/211).
المصادر والمراجع:
1. المنجد، محمد صالح. تفسير الزهراوين البقرة وآل عمران، الرياض: دار العبيكان، ط1، 1437هـ، 2016م.
2. سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط 38، 1430هـ، 2009م.
3. الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق: دار القلم، بيروت: الدار الشامية، ط1، 1419هـ، 1998م.
4. أبو زهرة، محمد. زهرة التفاسير، القاهرة: دار الفكر العربي، 2008م.