الأحد

1448-03-03

|

2026-8-16

كتب الشيخ الدكتور علي محمد الصلابي:

"الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام): من أمانة الاستخلاف في الأرض إلى سنن السقوط"

المقالة الأولى

الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله الإنسان لعقله المجرد، ولا لشهواته المتقلبة، وإنما بعث إليه الأنبياء ليهدوه إلى الطريق الذي يجمع صلاح القلب واستقامة السلوك وعمارة الأرض. فدعوة الأنبياء لم تكن منفصلة عن حياة الناس، ولكنها جاءت لتبني الإنسان، وتحفظ الأسرة، وتقيم العدل، وتصون المال والدماء، وتضبط القوة، وتمنع العمران من التحول إلى أداة للاستعلاء والفساد.

وقد جمع الله مقصد الرسالات في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فالبينات تهدي العقول، والكتاب يبين الطريق، والميزان يحفظ الحقوق، والقسط يقيم حياة الناس على العدل. ومن هنا ارتبطت الحضارة في القرآن بالنبوة؛ لأن الإنسان قد يعرف كيف يبني، لكنه يحتاج إلى الوحي ليعرف لماذا يبني، ولمن يسخّر قوته، وبأي ميزان يدير ما بين يديه من علم ومال وسلطان.

بدأت هذه المسيرة مع آدم عليه السلام حين أعلن الله مهمته قبل خلقه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فالاستخلاف ليس تشريفاً مجرداً، وإنما عهد يقوم على عبادة الله، وعمارة الأرض، وحفظ الحياة، وإقامة العدل، واستثمار النعم من غير فساد ولا طغيان. والإنسان مستخلف فيما يملك، فلا تتحول قدرته إلى حق مطلق، ولا يصبح العمران غاية منفصلة عن مرضاة الله ومصلحة خلقه.

وهيأ الله آدم لحمل هذه الأمانة، فعلّمه الأسماء كلها، ومنحه القدرة على المعرفة والتعبير ونقل الخبرة، فكان العلم أول أساس للعمران. وخلق جسده من طين، وسوّاه، ونفخ فيه من الروح التي خلقها وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف، فاجتمع فيه العقل الذي يتعلم، والروح التي تهتدي، والبدن الذي يعمل. ثم جاء الابتلاء بالشجرة ليبين أن الحرية مقرونة بالمسؤولية. فلما وقعت الزلة لم يصر آدم عليها، وإنما رجع إلى ربه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].

وبذلك دخلت التوبة في صميم التجربة الإنسانية؛ فالخطأ لا يهدم المستقبل إذا أعقبه اعتراف ومراجعة وإصلاح. والأمة الحية ليست التي تدعي العصمة، وإنما التي تملك شجاعة تصحيح مسارها، وتسمع للناصحين، وتمنع الانحراف من أن يتحول إلى عادة يحميها النفوذ والمصلحة.

وبعد أجيال من ذرية آدم ظهر الشرك في قوم نوح عليه السلام، ولم يبدأ فجأة؛ فقد نشأ من الغلو في الصالحين، ثم تحولت ذكراهم مع مرور الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله. بعث الله نوحاً فدعا قومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، لا ييأس من بطء الاستجابة ولا يساوم على حقيقة التوحيد. وقد واجه ملأً متكبرين احتقروا المؤمنين الفقراء، فقالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]، فرفض نوح أن يطردهم إرضاء لأصحاب النفوذ، لأن قيمة الإنسان في ميزان النبوة تقوم على الإيمان والعمل، لا على المال والمكانة.

ولما استنفد نوح وسائل البلاغ، أمره الله بصناعة السفينة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]. وفي السفينة التقى التوكل بالعمل؛ فالنجاة من الله، لكنها احتاجت إلى إعداد وصبر وإتقان. وحين جاء الطوفان لم تنفع القرابة من اختار الكفر، ثم بدأت بعده مرحلة جديدة حملها المؤمنون على أساس التوحيد وحفظ الخبرة والعمل المشترك.

وجاءت عاد من بعد قوم نوح، وأوتيت قوة في الأجساد وقدرة على البناء، لكنها جعلت النعمة سبباً للغرور، وقالت: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فأجابها القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. لم تكن القوة موضع الذم، وإنما كان الخلل في انفصالها عن الشكر والعدل؛ فقد بطشوا جبارين، وظنوا أن قدرتهم تحميهم من عاقبة الظلم، حتى جاءهم العذاب من حيث انتظروا الغيث.

ثم ظهرت ثمود بما بلغته من مهارة في نحت الجبال وبناء البيوت الآمنة. وذكّرهم صالح عليه السلام بأن عمارة الأرض تكليف قبل أن تكون امتيازاً: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 61]. وجعل الله الناقة آية واختباراً لاحترام العهد والحق العام، لكن تسعة رهط أفسدوا في المدينة، فعقروا الناقة وتآمروا على قتل صالح وأهله، وسكت المجتمع عن فسادهم حتى نزل به العذاب. ولم تحمهم بيوتهم المنحوتة؛ لأن الحصون لا تحفظ مجتمعاً استباح الحقوق وترك المفسدين يقودون مصيره.

وهكذا تبين قصص آدم ونوح وهود وصالح عليهم السلام أن قيام الحضارة يبدأ من الإنسان، وأن سقوطها يبدأ من داخله أيضاً. فالعلم يحتاج إلى هداية، والقوة إلى شكر، والعمران إلى عدل، والحرية إلى مسؤولية. فإذا انفصلت الوسائل عن غاياتها الأخلاقية، تحولت النعم إلى أسباب للهلاك. ويبقى الإصلاح باب النجاة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. وهذه سنن لا تخص أمماً مضت، وإنما يخاطب الله بها كل جيل حتى يراجع نفسه، ويحفظ أمانة الاستخلاف، ويقيم عمرانه على الإيمان والعدل والرحمة.

المراجع:

1. القرآن الكريم

2. ابن عاشور، التحرير والتنوير

3. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم

4. د. علي محمد الصلابي، الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام).

5. الطبري، جامع البيان


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022