القرآن الكريم أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق
بقلم: د. علي محمد الصلابي
القرآن الكريم أعظم مصدر إلهي محفوظ وصل إلى البشرية، فقد تكفّل الله بحفظه وصونه من التحريف والتبديل، ليبقى منار هداية وحجةً على الناس إلى قيام الساعة، وقد نزل هذا الكتاب العظيم منجّمًا وفق الوقائع والأحداث، مما يعكس حكمته في التربية والتشريع والتوجيه. ولم يكن القرآن مجرد سجل تاريخي للأمم السابقة، بل كتاب هداية يعرض القصص للعبرة واستخلاص السنن الإلهية في الحياة وبين البشر.
القرآن الكريم هو كتاب الله الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ]فصلت: 42]، وقد نزل على رسول الله ﷺ منجَّماً في ثلاث وعشرين سنة، حسب الحوادث ومقتضى الحال، وكانت الآيات والسور تدوَّن ساعة نزولها، إذ كان المصطفى ﷺ إذا ما أنزلت عليه آية أو آيات قال:"ضعوها في مكان كذا ... من سورة كذا".
فقد ورد أنَّ جبريل عليه السلام كان ينزل بالآية أو الآيات على النبي ﷺ، فيقول له: يا محمد إنَّ الله يأمرك أن تضعها على رأس كذا من سورة كذا، ولهذا اتَّفق العلماء على أنَّ جمع القرآن "توفيقي"، بمعنى أنَّ ترتيبه بهذه الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف، إنما هي بأمرٍ ووحيٍ من الله (مهران، 1/19).
وقد يسر الله لهذه الأمة من عهد الرسول ﷺ وأصحابه الكرام حفظ كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾[القمر: 32]، فكتب الله له الخلود، وحماه من التحريف والتبديل، وصانه من تطرُّق الضياع إلى شيءٍ منه عن طريق حفظه في السطور، وحفظه في الصدور (دراز، ص 12-14)، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 41- 42]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ]القيامة: 17: 19].
والقرآن الكريم كمصدر تاريخي لا ريب أنه أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق، ولا سبيل إلى الشك في صحة نصِّه، بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، فقد دون في البداية بإملاء الرسول ﷺ، وتلي فيما بعد، وحمل تصديقه النهائي قبل وفاته (دراز، ص 49)؛ ولأن القصص القرآني إنما هو أنباء وأحداث تاريخية، لم تلتبس بشيء من الخيال، ولم يدخل عليها شيء غير الواقع، وأنه كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105].
ثم إنَّ الله عز وجل قد تعهَّد - كما أشرنا من قبل- بحفظه دون تحريف أو تبديل، ويرى الدكتور محمد عبد الله دراز أن تسمية القرآن الكريم بالقرآن وبالكتاب، إنما تعني الأولى كونه متلوٌّ بالألسن، بينما تعني الثانية كونه مدوَّناً بالأقلام، وإنَّ تسمية القرآن الكريم بهذين الاسمين، إشارة إلى أنَّ الله سوف يحفظه في موضعين، لا في موضع واحدن أعني حفظه في الصدور والسطور جميعاً (دراز، ص 12-13).
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة الإسلامية اقتداء بنبيها صلى الله عليه وسلم بقي القرآن محفوظاً في حرز حريز، وإنجازاً لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: ﴿ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 44]، أي بما طلب إليهم حفظه، والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأنَّ هذا القرآن جيء به مصدقاً لما بين يديه من الكتب ومهيمناً عليها، فكان جامعاً لما فيها من الحقائق الثابتة، زائداً عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادَّاً مسدَّها، ولم يكن شيء فيها يسدُّ مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمراً يسر له أسبابه وهو الحكيم العليم (مهران، ص 40).
ولم يُنزَّل القرآن الكريم بمثابة كتاب في التاريخ يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد بالتي هي أقوم، أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون دستوراً للمسلمين، ومنهاجاً يسيرون عليه في حياتهم، يدعوهم إلى التوحيد وإلى تهذيب النفوس، وإلى وضع مبادئ للأخلاق وميزان للعدالة في الحكم، واستنباط لبعض الأحكام، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية فإنما للعبرة والعظة (مهران، 1/40) (رضا، 1/286-293) ، واستلهام سنن الله في قيام الدول وسقوطها، وازدهار الحضارات وزوالها، وصفات قادة التغيير الإنساني، ومناهجهم في إدارة الصراع مع قوى الظلام والشر والضلال، والبغي والإجرام... إلخ.
ويهتم القصص القرآني بالعبر والدروس الفردية والأسرية والإنسانية، ومعالجة الأمراض النفسية، ودلالة الخلق على الصلة بالله وإفراد العبادة له، والتضرع بين يديه، وشدة الدعاء والانكسار، والتجارب المتنوعة لبني الإنسان، ومنها قصة يوسف وإسماعيل - عليهما السلام - فقصة يوسف قصة إنسان قد تمرَّس منذ طفولته بآفات الطبائع البشرية من حسد الإخوة إلى غواية المرأة، إلى ظلم السجن إلى تكاليف الولاية وتدبير المصالح في إبان الشدة والمجاعة، وقصة إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية، من عهد الطفولة كذلك، فيصاب بالغربة المنقطعة عن العشيرة وعن الزاد والماء، وإن كان الأخطر من ذلك كله أن تكتب عليه التجارب الإنسانية ضريبة الفداء، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت - في معظم مجتمعات الشرق القديم- لا تتورع عن الذبائح البشرية، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان، ثم يكتب لهذا الغلام الوحيد بواد غير ذي زرع عن البيت المحرم أن تنتمي إليه أمة ذات شعوب وقبائل، تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام (العقاد، ص 218-219).
المصادر والمراجع:
1. مهران، محمد بيومي. دراسات تاريخية في القرآن الكريم.
2. دراز، محمد عبد الله. النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض. السعودية، الطبعة الأولى، 1417ه – 1997م.
3. رضا، محمد رشيد. أهداف القرآن ومقاصده؛ (تفسير القرآن الكريم)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1990م.
4. العقاد، عباس محمود. الإسلام دعوة عالمية، المكتبة العصرية، بيروت. صيدا ، لبنان، 1999م.
5. د. علي محمد الصلابي، الإيمان بالقرآن الكريم/ أركان الإيمان، دار ابن كثير، دمشق.