تأملات تفسيرية في قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾
بقلم: د. علي محمد الصلابي
تُجسِّد قصة نبيِّ الله أيوب عليه السلام أروع صور الصبر والثقة بالله والأخذ بالأسباب، واستجابة الله تعالى لدعاء أيوب عليه السلام، وقد جاءت الآية الكريمة: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: 42]. لتؤكد أن الله سبحانه يربط المسببات بأسبابها، مع أنه قادر على كل شيء. وفي هذه الآية تتجلى رحمة الله بعبده أيوب، إذ جمع له الشفاء الظاهر والباطن، كما أرشد عباده إلى مشروعية التداوي، واحترام سنن الله في الكون، مع دوام الاعتماد عليه وحده والتسليم لحكمته وقدرته.
تفسير الآية الكريمة:
1- قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾:
- (الركض)؛ الضرب في الأرض بالرجل، فضرب أيّوب ببقايا قوّة رجله الناحلةَ الهزيلة على الأرض، فإذ بالمعجزة تتفجّر تحتها ماء (الصوياني، ص 214).
وفي القرآن ضربات بسببها نبع الماء بأمر الله، من ذلك ضربة أيّوب هذه ﴿ارْكُضْ﴾: نبع الماء.
الثانية: لمّا ضرب موسى الحجر، فتفجّر منه اثنتا عشرة عيناً.
الثالثة: وردت في السنّة في قصّة هاجر وإسماعيل عندما ضرب جبريل (عليه السلام) بعقبه أو بجناحه مكان زمزم، فنبع الماء بضربه من جبريل (عليه السلام) (أبو شنار، ص 354).
وفي الأمر الإلهيّ لأيّوب (عليه السلام) في قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ تعليم الأمّة احترام الأخذ بالأسباب، ومراعاة سنن الله في كونه.
إنّ من سنن الله في كونه، وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب، كما فعل ذلك أقوى الناس إيماناً بقضائه وقدره، وهو رسول الله ﷺ، وقد قاوم الفقر بالعمل، وقاوم الجهل بالعلم، وقاوم المرض بالعلاج، وقاوم الكفر والمعاصي بالجهاد، وكان يستعيذ بالله من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، وتعاطي أسباب الأكل والشرب، وادّخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء (الصلابي، سنة الله في الأخذ بالأسباب، ص 10)، وقال للذي سأله: أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكّل؟ قال: «اعقلها وتوكّل» (صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1414هـ، إسناد صحيح).
وإن القرآن الكريم حافل بالآيات التي توجب على المسلمين الأخذ بالأسباب في شتّى مناحي الحياة، والعمل على استقصاء تلك الأسباب للوصول إلى المراد، خاصّة في تلك المواقف الصعبة التي تواجه الأمم والأفراد (الصلابي، سنة الله في الأخذ بالأسباب، ص 13).
- ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾؛ إرشاد ربّانيّ في الأخذ بسنّة الأخذ بالأسباب.
- ﴿هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾؛ لم يقل: فركض فخرج الماء كذا وكذا، إنّما انطوى هذا كلّه، واكتفى بالأمر ﴿ارْكُضْ﴾.
والمعنى: إنّ في هذا الماء مغتسلاً لك وشراباً، لأنّ المرض الذي أصاب سيّدنا أيّوب يبدو أنّه كان مرضاً جلديّاً يترك على بشرته بثُوراً تشوّه جلده. والآن نرى الأطباء الذين يعالجون الأمراض الجلديّة يعالجونها بالمراهم الظاهريّة التي تعالج ظاهر المرض، لكن لا تتغلغل إلى علاج سبب المرض الداخليّ، فكان من رحمة الله بسيّدنا أيّوب (عليه السلام) أن جعل شفاءه الظاهريّ والباطنيّ في ركضة واحدة تخرج الماء، فيغتسل منه مُغتسلاً بارداً يشفى ظاهر مرضه، وشراب يشفي أسباب المرض في داخل جسمه (الشعراوي، 21/12954).
قاوم أيّوب (عليه السلام) ضعفه، وحاول الجلوس حتّى اعتدل، بعدما ركض برجله، ثمّ مدّ يديه المرتجفتين إلى الماء وغرف غرفة، وغسل وجهه، فإذا بالمعجزة تسري في كلّ قطرة تنساب على جلده الرقيق، والانتعاش يسري في كلّ عضو يغسله، غرف بيده وشرب (الصوياني، ص 214) واغتسل وذهب عنه كلّ داء بباطنه وظاهره بقدرة الله (عزّ وجلّ) وإرادته (أبو شنار، ص 356).
قال ابن كثير (رحمه الله): "اضرب الأرض برجلك، فامتثل للأمر (عليه السلام)، فأنبع الله عيناً، وأمره أن يغتسل منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى والسقم والمرض الذي كان في جسده، ثمّ أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عيناً أخرى، وأمره أن يشرب منها، فأذهبت ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهراً وباطناً" (ابن كثير، 7/74).
كانت امرأة أيّوب (عليه السلام) غائبة عنه لقضاء حوائجه من طعام وشراب وأدوات للعناية به، فعندما رجعت، ورأته لم تعرفه لما فيه من قوّة ونشاط وحيويّة، وصحّة وعافية، فقالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبيّ الله هذا المبتلَى، فوالله على ذلك ما رأيت أحداً أشبه به منك إذا كان صحيحاً؟ قال: "فإنّي أنا هو" (بيومي، 3/219)، فلا شكّ أنّها أجهشت من البكاء من شدّة الفرح، وحمدت الله (عزّ وجلّ) وشكرته على شفاء زوجها الحبيب العزيز.
- ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾؛ ويؤخذ من الآية الكريمة: التداوي، لأنّ الله تعالى أمره أن يشرب ويغتسل من الماء الذي نبع تحت رجليه، وكان بإمكانه تعالى أن يشفيه دون أن يدعوه لاتّخاذ هذه الوسيلة (طبارة، ص 213)، وكلّ شيء له سبب (أحمد، ص 178).
وقد بيّن رسول الله ﷺ: «أنّ لكلّ داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عزّ وجلّ» (رواه مسلم، 4/20).
وقال ﷺ: «ما أنزل الله داء إلّا أنزل له شفاء» (البخاري، 4/8).
إنّ كلا الحديثين الشريفين دلالة على أنّه ما من داء إلّا وقد جعل الله له دواء، وإذا كان الأمر كذلك فإنّه يشرع للإنسان أن يستعمل الدواء الذي عرف تأثيره في الداء بالعادة والتجربة (الشنقيطي، ص 86).
وعن أسامة بن شريك (رضي الله عنه) قال: أتيت النبيّ ﷺ وأصحابه كأنّما على رؤوسهم الطير، فسلّمت ثمّ قعدت، فجاء الأعراب من ههنا ومن ههنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: «تداووا، فإنّ الله تعالى لم يضع داء إلّا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم» (سنن الترمذي، حديث حسن صحيح، 3/258).
إنّ هؤلاء الصحابة (رضي الله عنهم) سألوا النبيّ ﷺ بجوازه، وندبهم إليه بقوله: «تداووا»، وهذا اللفظ عام، وبيّن العلماء أنّ علوم الطبّ من فروض الكفاية، قال الإمام النوويّ (رحمه الله): "وأمّا العلوم العقليّة، فمنها ما هو فرض كفاية، كالطبّ، والحساب المحتاج إليه". (الشنقيطي، ص 74-87).
إنّ علم الطبّ من العلوم المهمّة في الحياة البشريّة، وبتطبيقه يتحقّق كثير من المصالح العظيمة، والمنافع الجليلة، التي منها حفظ الصحّة، ودفع ضرر الأسقام والأمراض عن بدن الإنسان، فيتقوّى المسلم على طاعة ربّه تعالى ومرضاته (الصلابي، الدولة الحديثة المسلمة، ص 384).
المصادر والمراجع:
1. الصوياني، محمد حمد. في ظلال الأنبياء، محمد حمد الصوياني، شركة العبيكان للتعليم، ط1، 2022م.
2. أبو شنار، أحمد محمد. أنباء الأنبياء، دار المعتز للنشر والتوزيع.
3. عبدالعليم، خالد. وقفات في حياة الأنبياء، دار ابن كثير، 2014م.
4. الصلابي، علي محمد. سنة الله في الأخذ بالأسباب، دار ابن كثير، 2016م.
5. الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي، مكتبة الأسرة، 1992م.
6. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر. تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، حققه يوسف علي بديوي، حسن سويدان، دار ابن كثير، 1434هـ- 2013م، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1434هـ- 2013م.
7. بيومي، محمد. دراسات تاريخية من القرآن، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1988م.
8. طبارة، عفيف. مع الأنبياء في القرآن الكريم.
9. أحمد، محمد محمود. دعاء الأنبياء والرسل، مركز الكتاب للنشر، 1999م.
10. الشنقيطي، محمد مختار. أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها، مكتبة الصحابة، 1994م.
11. الصلابي، علي محمد. الدولة الحديثة المسلمة دعائمها ووظائفها، دار المعرفة، 2013م.