ما لا يصحّ من روايات في مرض أيوب (عليه السلام)
بقلم: د. علي محمد الصلابي
تحدّث المفسّرون عمّا كان يملكه أيّوب (عليه السلام) من المزارع والحدائق، وما كان له من أموال ودواب وأنعام وحرث، يضيق بها الحصر والتعداد، فضلاً عن نعمة القوّة والصحّة، إلى جانب زوجة صالحة جميلة الخَلْق والخُلُق، ومع هذه لم تُبطره هذه النعم الكثيرة، وإنّما صبر لها، وأدّى لها كلّ ما يلزم، من شكر للمنعم (جلّ جلاله) وتقدير وعرفان لفضله، وكان رحيماً بالمساكين، كما كان يكفل الأيتام والأرامل، ويُكرم الضيف، فقد شاءت إرادة الله أن يبتليه في ماله وأهله وولده وفي بدنه، فأصابه الضرّ، ونفذت الأموال، ونفقت الماشية، وزال الثراء العريض، وهجم الفقر الشديد، والمرض القاسي العنيد على نبي الله الكريم، وكانت مصيبته في أولاده عظيمة، فما وهن لما أُصيب به من البلايا، وما ضعُف وما استكان، وإنّما قابل ذلك كلّه بالصبر الجميل والإيمان العظيم، فكان في حالتَي الرخاء والبلاء مثالاً لعباد الله الصالحين في إرضاء ربّ العالمين (بيومي، 3/212).
ومن المعروف أنّ قصّة أيوب (عليه السلام) دخلها كثير من الإسرائيليّات، والأخبار الواهية التي تزعم تفاصيل، ومضامين لا تليق بالنبيّ أيّوب (عليه السلام)، ولا يرضاها الله (سبحانه وتعالى) لنبيّه، وهذه الأخبار تسلّلت إلى كثير من المصادر حتّى بعض المعوَّل عليها في قصص الأنبياء مثل بعض مصادر التفسير والحديث والتاريخ الإسلاميّ (عبدالحميد، ص 214).
ومن هذه الأكاذيب والخزعبلات التي لا يجوز اعتقادها بالنسبة لبلاء أيّوب (عليه السلام) ولم يصح منها شيئاً، منها:
- أنّ أيّوب اشتدّ به المرض، وطال البلاء حتّى عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وانقطع عنه الناس، وتعفّن جسده، حتّى كاد الدود يتناثر منه، فأُخرج من البلد، وأُنفي على مزبلة خارجها، إلى غير ما هنالك من الحكايات المنقولة عن التوراة المحّرفة، أو هي من أقاويل أهل الكتاب.
وهذا القول يتنافى مع منصب النبوّة، وقد قرّر علماء التوحيد: أنّ الأنبياء منزّهون عن الأمراض المنفّرة، فكيف يتّفق هذا القول مع منصب النبوّة؟ (عبدالحميد، ص 267).
إنّ الأمراض المنفّرة كخروج الدود من البدن، مخالفة لمقام النبوّة لأنّ الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) وظيفتهم الكبرى الدعوة إلى الله، وهذا الوصف المستقبح المستشنع يُضادّ ذلك؛ إذ إنّه يجعل الناس يهربون وينفرون منهم (اللحام، ص 116).
- ووصل بالبعض أنّهم يزعمون أنّ أيّوب (عليه السلام) كان كلّما سقط الدود من جسمه ردّه إليه، ويقول لها: يا مخلوقة الله يا مباركة، كُلي ممّا رزقك الله، فهذا فيه نسبة الكبائر إلى أيّوب (عليه السلام)، لأنّ الإضرار بالجسم والعقل وإيذاء النفس بغير حقّ محرّم، وهذا لا يُقرّه دين ولا يقبله عقل (نجار، ص 215).
وفي هذا القول سفه وباطل، والأنبياء منزّهون عن السفه، فكيف يُنسب ذلك لنبيّ من أنبياء الله يُضرب به المثل في الصبر.
إنّ سيّدنا أيّوب (عليه السلام) لم يكن مرضه منفّراً، ولم يخرج منه الدود، ومن ثمّ يعيده على زعمهم ليأكل من جسمه، وكذلك لم تصدر منه روائح كريهة ما دفعت الناس إلى رميه في المزابل، فهذه من الأكاذيب والأباطيل والبهتان المبين (اللحام، ص 116).
- وممّا قيل فيه من هذه الخزعبلات والنزهات أنّ سبب ابتلائه، أن مظلوماً استعان به فلم ينصره، فابتُلي. وقيل: استضاف يوماً الناس فمنع فقيراً الدخول فابتُلي بذلك.
- وقيل: كان يغزو ملكاً، وكان له غنم في ولايته فداراه، ولان معه لأجلها، فترك غزْوه فابتُلي.
وإن هذه القصص الواهية، والأخبار الكاذبة مرفوضة عند العلماء العقلاء، وعند المحقّقين وأهل العلم، والباحثين عن الحقائق الجادّين، وعند أهل البصائر الأنقياء الأبرار، فيجب ألا يُلتفت إليها وألّا يُصغى لها، وألّا تزداد من الناس إلّا استنكاراً، فشخصيّة أيّوب (عليه السلام): شخصيّة منزّهة عن هذا كلّه؛ إنّه نبي حسن الخُلق، مؤمن بالله، عابد نقي صابر راضي النفس، طيّب الفؤاد، عطوف على الفقراء، رحيم بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام، ويُكرم الضيف (عبدالحميد، ص 268).
وكان لله عابداً ومسبّحاً وذاكراً وأوّاباً، ومحسناً في أقواله وأفعاله.
المصادر والمراجع:
1. بيومي، محمد. دراسات تاريخية من القرآن، دار النهضة العربية، بيروت، ط2، 1988م.
2. عبدالحميد. محمد. مع الأنبياء وجهادهم من خلال سورة الأنبياء، دار الفكر، 2003م.
3. اللحام، طارق. قصص لا تليق بالأنبياء، شركة دار المشايع، ط4، 2020م.
4. نجار، محمد الطيب. تاريخ الأنبياء في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، مكتبة المعارف، 1983م.