الأحد

1448-02-19

|

2026-8-2

أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما؛ الصوّامة القوّامة وأمينة صحف القرآن

بقلم: د. علي محمد الصلابي

18 صفر 1448ه/ 01 أغسطس 2026م

هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل العدوية القرشية رضي الله عنها، ابنة أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب، وأمها زينب بنت مظعون، أخت الصحابيين عثمان بن مظعون وقدامة بن مظعون رضي الله عنهم. وصفها الإمام الذهبي بقوله: «السِّتر الرفيع»، تعبيراً عن صيانتها ورفعة منزلتها في بيت النبوة (الذهبي، 1985، جـ2، ص227).

ولدت حفصة رضي الله عنها في مكة قبل البعثة النبوية بنحو خمس سنوات، في العام الذي أعادت فيه قريش بناء الكعبة. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن حفصة ولدت «إذ قريش تبني البيت»، وعلى هذا يكون عمرها عند زواج النبي ﷺ منها نحو عشرين عاماً (ابن سعد، د.ت، جـ8، ص81؛ الحاكم النيسابوري، 1990، جـ4، ص14–15؛ الذهبي، 1985، جـ2، ص227).

زواجها من خنيس بن حذافة وهجرتها إلى المدينة

تزوجت حفصة رضي الله عنها أولاً الصحابي الجليل خنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه، وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام. هاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر بعد ذلك مع زوجته حفصة إلى المدينة، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ الذين شهدوا غزوة بدر.

واختلفت الروايات في سبب وفاته؛ فقيل: توفي في المدينة متأثراً بجراح أصابته في غزوة أحد، وقيل: توفي بعد بدر. والمتفق عليه أنه توفي في المدينة في وقت مبكر، فترملت حفصة رضي الله عنها وهي لا تزال شابة (ابن سعد، د.ت، جـ8، ص81–82؛ ابن حجر العسقلاني، 1995، جـ8، ص85؛ الذهبي، 1985، جـ2، ص227).

قصة زواجها من رسول الله ﷺ

لما تأيمت حفصة، أي أصبحت بلا زوج، حرص أبوها عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أن يختار لها زوجاً صالحاً، فعرضها على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ قد توفيت، فقال عثمان لعمر: «سأنظر في أمري». ثم لبث ليالي، ولقيه فقال: «قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا».

بعد ذلك عرض عمر ابنته على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقال له: «إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر»، فسكت أبو بكر ولم يجبه بشيء. وكان عمر أشد وجداً على أبي بكر منه على عثمان؛ لما بينهما من المودة، ولأن عثمان أجابه واعتذر إليه، أما أبو بكر فسكت ولم يبين له سبب سكوته.

ثم خطب رسول الله ﷺ حفصة، فزوجها عمر منه. وبعد إتمام الزواج لقي أبو بكر عمر، فقال له:

«لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً؟».

قال عمر: نعم.

فقال أبو بكر:

«فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها» (البخاري، 2001، حديث رقم 5122).

ويظهر في موقف أبي بكر رضي الله عنه مبلغ أمانته وحفظه لسر رسول الله ﷺ؛ فلم يفش السر حتى لعمر، مع علمه بما وقع في نفسه. كما تدل القصة على جواز أن يعرض الأب أو الولي ابنته أو من تحت ولايته على أهل الخير والصلاح، ولذلك أورد الإمام البخاري الحديث في «باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير».

وجاء في بعض روايات السيرة أن النبي ﷺ قال لعمر مواسياً له: «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة»، ثم تزوج النبي ﷺ حفصة، وزوّج عثمان بن عفان ابنته أم كلثوم رضي الله عنها بعد وفاة أختها رقية. وهذه الرواية ذكرها أصحاب السير، أما قصة عرض حفصة على عثمان وأبي بكر، ثم زواج النبي ﷺ منها، فهي ثابتة في صحيح البخاري.

تزوج النبي ﷺ حفصة بعد انقضاء عدتها من خنيس في السنة الثالثة للهجرة، وقيل: بنى بها في شعبان من السنة الثالثة. وبذلك نالت شرف الانتساب إلى بيت النبوة، وأصبحت واحدة من أمهات المؤمنين اللاتي قال الله تعالى فيهن:

﴿ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6].

حفصة رضي الله عنها في بيت النبوة

عاشت حفصة رضي الله عنها في بيت النبوة، وتلقت عن رسول الله ﷺ العلم والهدي، وشهدت دقائق حياته وعبادته داخل بيته. وكانت امرأة عاقلة، قوية الشخصية، عُرفت بالعبادة والصيام والقيام، كما عرفت بالقراءة والكتابة في زمن لم تكن الكتابة فيه شائعة بين النساء.

وقد وقع بينها وبين النبي ﷺ بعض ما يقع بين الزوجين من مواقف بشرية، كما وقع بينها وبين بعض أمهات المؤمنين شيء من الغيرة، وهي طبيعة بشرية لم تخرجهن عن مكانتهن الرفيعة بوصفهن أمهات المؤمنين وزوجات النبي ﷺ.

وكانت حفصة وعائشة رضي الله عنهما المرأتين المقصودتين بقوله تعالى:

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوْلَىٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلْمُؤْمِنِينَۖ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4].

فقد سأل عبد الله بن عباس عمر بن الخطاب رضي الله عنهم عن المرأتين اللتين عناهما الله بهذه الآية، فقال عمر: «هما حفصة وعائشة» (البخاري، 2001، حديث رقم 4913؛ مسلم، 1991، حديث رقم 1479).

وجاء في صحيح البخاري أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما اتفقتا على أن تقولا للنبي ﷺ، بعدما شرب عسلاً عند زينب بنت جحش: «إني أجد منك ريح مغافير»، فأنزل الله تعالى صدر سورة التحريم (البخاري، 2001، حديث رقم 4912).

ولا يحمل هذا العتاب القرآني انتقاصاً من منزلتهما؛ وإنما يكشف عن عناية الوحي بتربية بيت النبوة، وتقويم ما يقع فيه، حتى يبقى هذا البيت قدوة للمؤمنين. وقد تلقتا توجيه القرآن بالتوبة والرجوع إلى ما يحبه الله ورسوله.

طلاقها ومراجعة النبي ﷺ لها

ثبت أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة واحدة ثم راجعها. فقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

«أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها» (أبو داود، 2009، حديث رقم 2283؛ ابن ماجه، 2009، حديث رقم 2016).

وروى النسائي الخبر من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصحح عدد من المحدثين أصل الحديث.

وروي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي ﷺ لما طلق حفصة بلغ الخبر عمر بن الخطاب، فحثا التراب على رأسه وقال: «ما يعبأ الله بعمر وابنته»، فجاء جبريل عليه السلام من الغد وقال للنبي ﷺ: «إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر» (الطبراني، د.ت؛ الذهبي، 1985، جـ2، ص228). وهذه الرواية ليست في قوة أصل خبر الطلاق والمراجعة، ولذلك تذكر في باب الشواهد والأخبار، من غير جزم بصحة جميع ألفاظها.

كما ورد من طريق أبي عمران الجوني، عن قيس بن زيد، أن النبي ﷺ لما طلق حفصة دخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون، فبكت وقالت: «والله ما طلقني عن شبع»، أي لم يطلقها عن كراهية لها أو استغناء عنها. ثم جاء النبي ﷺ فقال:

«قال لي جبريل: راجع حفصة؛ فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة» (الحاكم النيسابوري، 1990، جـ4، ص15؛ الذهبي، 1985، جـ2، ص230–231).

وفي إسناد هذه الرواية قيس بن زيد، وهو تابعي لم يوثقه المتقدمون توثيقاً معتبراً، غير أن معنى الرواية ورد من طرق أخرى عن أنس بن مالك وعمار بن ياسر وغيرهما، وفي أسانيدها كلام. وقد قوّاها بعض المحدثين بمجموع طرقها؛ ولذلك يمكن الاستشهاد بها في فضائل حفصة رضي الله عنها، مع التنبيه إلى أن أصل طلاقها ومراجعتها أصح إسناداً من الزيادة الواردة في وصفها بأنها «صوّامة قوّامة».

عبادتها وفضلها

اشتهرت حفصة رضي الله عنها بكثرة الصيام والقيام، حتى غلب عليها وصف «الصوّامة القوّامة». وليس المقصود مجرد كثرة النوافل، وإنما دلالة ذلك على حياة إيمانية قائمة على مجاهدة النفس، والارتباط بالله، والحرص على العبادة بعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى.

وقد عاشت في كنف أبيها عمر بن الخطاب، ثم في بيت رسول الله ﷺ، فاجتمع لها شرف النشأة في بيت الفاروق، وشرف الزوجية للنبي، وشرف العلم والرواية، وشرف حفظ الصحف التي جمع فيها القرآن الكريم.

علمها وروايتها للحديث

روت حفصة رضي الله عنها عن رسول الله ﷺ عدداً من الأحاديث المتعلقة بعبادته وهديه في بيته، ولا سيما في الصلاة والصيام والحج. وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، من أبرزهم أخوها عبد الله بن عمر، وكانت أسن منه بنحو ست سنوات، وحارثة بن وهب الخزاعي، والمطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان الجمحي، وشُتير بن شَكَل العبسي وغيرهم (الذهبي، 1985، جـ2، ص227–229).

وشُتير بن شَكَل هو أبو عيسى العبسي الكوفي، من ثقات التابعين، روى له مسلم وأصحاب السنن. أما شَكَل فهو والده، وهو صحابي من رهط حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، ولذلك فالصواب أن يقال: «شُتير بن شَكَل»، لا «شُتير وشَكَل».

وقد بلغ مسند حفصة في كتاب بقي بن مخلد ستين حديثاً. واتفق البخاري ومسلم على أربعة أحاديث من مروياتها، وانفرد مسلم بستة أحاديث أخرى (الذهبي، 1985، جـ2، ص229).

ومن أشهر مروياتها قولها:

«كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين» (مسلم، 1991، حديث رقم 723).

وروت كذلك أحاديث في سنة الفجر، وصيام النبي ﷺ، وحجه، وما يجوز للمحرم قتله من الدواب، وأحاديث في الطلاق والفتن. وتبرز أهمية مرويات أمهات المؤمنين في أنها نقلت إلى الأمة جانباً من عبادة النبي ﷺ داخل بيته وأحواله الخاصة التي لم يكن عامة الصحابة يطلعون عليها.

ومن أحاديثها المتفق عليها أحاديث تتصل بركعتي سنة الفجر، وما يقتل المحرم من الدواب، وأحكام الحج والقران والتمتع. أما الأحاديث التي انفرد بها مسلم، فمنها مرويات في صلاة المسافرين والصيام والطلاق والفتن.

حفصة رضي الله عنها وأمانة صحف القرآن

تعد صلة حفصة رضي الله عنها بصحف القرآن الكريم من أعظم مناقبها وأجل أعمالها في تاريخ الإسلام. فبعد استشهاد عدد كبير من القراء في معركة اليمامة، أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصديق بجمع القرآن في صحف تحفظه مجموعاً في موضع واحد. وكلف أبو بكر زيد بن ثابت رضي الله عنه بتتبع القرآن وجمعه من الرقاع والعسب وصدور الرجال وفق منهج دقيق في التثبت والتوثيق.

وبقيت الصحف بعد جمعها عند أبي بكر الصديق حتى وفاته، ثم انتقلت إلى عمر بن الخطاب، وبعد وفاة عمر بقيت عند ابنته حفصة رضي الله عنها؛ ثقة بأمانتها، ومعرفتها، وقدرتها على صيانة هذه الصحف.

وفي خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ظهرت اختلافات بين أهل الأمصار في وجوه القراءة، ولا سيما بعد اتساع الفتوحات. فأشار حذيفة بن اليمان رضي الله عنه على عثمان بتدارك الأمر قبل أن يقع المسلمون في اختلاف شديد.

فأرسل عثمان إلى حفصة رضي الله عنها قائلاً:

«أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك».

فأرسلت حفصة الصحف إلى عثمان، فكلف زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بنسخها في المصاحف. وبعد الانتهاء أعاد عثمان الصحف الأصلية إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا (البخاري، 2001، حديث رقم 4987).

وتكشف هذه الحادثة عن المكانة العلمية والأخلاقية التي حظيت بها حفصة؛ إذ ائتمنها أبوها عمر على الصحف التي جمع فيها القرآن، ثم اعتمد عليها عثمان في مشروع توحيد المصاحف. غير أن التعبير العلمي الدقيق هو أن حفصة كانت أمينة على صحف القرآن التي جمعت في خلافة أبي بكر، وليس أنها جمعت القرآن أو ألفت مصحفاً مستقلاً.

موقفها من تسليم الصحف بعد ذلك

ورد أن مروان بن الحكم كان يطلب من حفصة تسليم تلك الصحف إليه، فكانت تأبى أن تعطيه إياها، محافظة على الأمانة التي وضعت عندها. وبعد وفاتها طلب مروان من عبد الله بن عمر أن يرسل إليه الصحف، فبعث بها إليه. وهذه الرواية تبين مدى عنايتها بحفظ الصحف وصيانتها طوال حياتها.

ولئن لم تكن حفصة من الكتبة الذين باشروا الجمع والنسخ، فإن حفظها لتلك الصحف جعل اسمها مرتبطاً بمرحلة مركزية في تاريخ حفظ القرآن ونقله، وهي مرحلة انتقال الصحف المجموعة في عهد أبي بكر إلى المصاحف التي نسخت في عهد عثمان وانتشرت في الأمصار.

وفاتها ودفنها

اختلف أصحاب السير في سنة وفاة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها. فقيل: توفيت سنة إحدى وأربعين للهجرة، وهو عام الجماعة الذي اجتمعت فيه الأمة على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. وقيل: توفيت سنة خمس وأربعين للهجرة في المدينة المنورة، وهو القول الأشهر عند جماعة من أصحاب التراجم.

وصلى عليها مروان بن الحكم، وكان يومئذ والي المدينة، وحمل سريرها مع من حمله. وروى الواقدي عن علي بن مسلم، عن أبيه، أنه قال: «رأيت مروان فيمن حمل سرير حفصة، وحملها أبو هريرة من دار المغيرة إلى قبرها» (ابن سعد، د.ت، جـ8، ص86؛ الحاكم النيسابوري، 1990، جـ4، ص15).

ودفنت رضي الله عنها في مقبرة البقيع إلى جوار أمهات المؤمنين، بعد حياة حافلة بالهجرة والصبر والعلم والعبادة وحفظ سنة رسول الله ﷺ وصحائف كتاب الله.

وهكذا اجتمعت في سيرة حفصة بنت عمر رضي الله عنها معان عظيمة: فهي ابنة الفاروق، وأرملة المهاجر البدري خنيس بن حذافة، وزوجة رسول الله ﷺ، وأم المؤمنين، وراوية الحديث، والصوّامة القوّامة، والأمينة على صحف القرآن. وقد حفظت الأمة اسمها في سجل أمهات المؤمنين، وفي دواوين السنة، وفي تاريخ جمع القرآن الكريم، فرضي الله عنها وأرضاها، وجزاها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

تنبيهات علمية على النصوص المتداولة

أولاً: تنسب بعض التراجم إلى عائشة رضي الله عنها قولها في حفصة: «هي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ». وهذه النسبة غير صحيحة؛ فالثابت في صحيح مسلم أن عائشة قالت ذلك في زينب بنت جحش رضي الله عنها، بقولها: «وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ في المنزلة عند رسول الله ﷺ» (مسلم، 1991، حديث رقم 2442).

ثانياً: جاء في بعض النصوص أن رسول الله ﷺ «زوج عثمان بابنته رقية بعد وفاة أختها زينب»، وهذا خطأ تاريخي؛ لأن عثمان تزوج رقية أولاً، وبعد وفاتها زوجه النبي ﷺ أختها أم كلثوم، ولذلك لقب عثمان بذي النورين.

ثالثاً: أرقام صفحات سير أعلام النبلاء تختلف باختلاف الطبعات. وفي طبعة مؤسسة الرسالة الثالثة المحققة، تقع ترجمة حفصة رضي الله عنها في المجلد الثاني، في الصفحات 227–231، لا في الصفحات 220–226.

رابعاً: أصل طلاق حفصة ثم مراجعتها ثابت في السنن، أما رواية «صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة»، ففي أسانيد طرقها المفردة مقال، وقد قوّاها بعض أهل الحديث بمجموع الشواهد؛ ولذلك تروى مع بيان درجتها، ولا تنسب جميع ألفاظها إلى أبي داود وابن ماجه والنسائي.

خاتمة ..

تكشف سيرة أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها عن شخصية إيمانية جمعت بين قوة الطبع وصفاء العقيدة، وبين شرف النسب ورفعة الصحبة، وبين العبادة والعلم وأداء الأمانة. فقد نشأت في بيت الفاروق عمر، وهاجرت مع زوجها الأول، وصبرت على الترمل في شبابها، ثم اختارها الله لصحبة نبيه ﷺ، فغدت أماً للمؤمنين وواحدة من أقرب النساء إلى بيت النبوة وأسراره.

ولم تكن مكانة حفصة مستمدة من نسبها أو زواجها فحسب؛ فقد عرفت بالصيام والقيام، وروت سنة رسول الله ﷺ، وأسهمت في نقل جانب من عبادته وحياته داخل بيته. ثم خصها الله بأمانة تاريخية عظيمة حين حفظت الصحف التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، فكانت تلك الصحف أصلاً اعتمد عليه عثمان بن عفان في نسخ المصاحف وإرسالها إلى أمصار المسلمين. وبذلك اقترن اسمها بحفظ السنة وصيانة الصحف القرآنية، وهما من أجل ميادين خدمة الدين.

كما تظهر مواقف العتاب والمراجعة في حياتها صدق المنهج القرآني في عرض الشخصيات دون غلو أو انتقاص؛ فالفضلاء لا تعني فضيلتهم العصمة من الخطأ، وإنما تظهر منزلتهم في سرعة الرجوع إلى الحق وقبول توجيه الوحي. وقد بقيت حفصة بعد رسول الله ﷺ وفية لعهده، حافظة لسنته، قائمة بالعبادة، مؤدية للأمانة، حتى توفاها الله في المدينة ودفنت في البقيع بين أمهات المؤمنين.

لقد رحلت حفصة رضي الله عنها عن الدنيا، وبقي أثرها حاضراً في صحائف السنة وتاريخ المصحف وذاكرة الأمة؛ ابنة للفاروق، وزوجة لرسول الله ﷺ، وأماً للمؤمنين، وراوية للحديث، وصوّامة قوّامة، وأمينة على صحف القرآن. رضي الله عنها وأرضاها، وجزاها عن كتابه وسنة نبيه وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

المصادر والمراجع

أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني. (2009). سنن أبي داود (شعيب الأرناؤوط ومحمد كامل قره بللي، تحقيق). دار الرسالة العالمية.

ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. (1995). الإصابة في تمييز الصحابة (عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، تحقيق). دار الكتب العلمية.

ابن سعد، محمد بن سعد. (د.ت). الطبقات الكبرى (جـ8). دار صادر.

ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني. (2009). سنن ابن ماجه (شعيب الأرناؤوط وآخرون، تحقيق). دار الرسالة العالمية.

البخاري، محمد بن إسماعيل. (2001). الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه (محمد زهير بن ناصر الناصر، تحقيق). دار طوق النجاة.

الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله. (1990). المستدرك على الصحيحين (مصطفى عبد القادر عطا، تحقيق، جـ4). دار الكتب العلمية.

الذهبي، محمد بن أحمد. (1985). سير أعلام النبلاء (شعيب الأرناؤوط وآخرون، تحقيق، ط3، جـ2، ص227–231). مؤسسة الرسالة.

الطبراني، سليمان بن أحمد. (د.ت). المعجم الكبير (حمدي عبد المجيد السلفي، تحقيق). مكتبة ابن تيمية.

مسلم بن الحجاج النيسابوري. (1991). المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ (محمد فؤاد عبد الباقي، تحقيق). دار إحياء الكتب العربية.

النسائي، أحمد بن شعيب. (2001). السنن الكبرى (حسن عبد المنعم شلبي، تحقيق). مؤسسة الرسالة.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022