السبت

1448-02-11

|

2026-7-25

تأملات تفسيرية في سورة الكرسي

بقلم: د. علي محمد الصلابي

الحلقة الثانية

تعدُّ آية الكرسي من أعظم الآيات في كتاب الله، إذ كل ما فيها متعلق بالذات الإلهية العليّا وناطقة بربوبيته تعالى، وألوهيته وأسمائه وصفاته الدالّة على كمال ذاته وعلمه وقدرته وعظيم سلطانه (الجزائري، 1/245). وهذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وعظمته وجلاله وكماله، فهي تدل على أن الله تعالى منفرد بالألوهية والسلطان والقدرة، قائم على تدبير الكائنات في كل لحظة، لا يغفل عن شيء في السماوات والأرض (الزحيلي، 3/18).

وهذه الآية لها شأن عظيم، فقد صحّ الحديث عن رسول الله (ﷺ)، بأنها أفضل آية في كتاب الله (ابن كثير، 1/377) (العود، ص 65).

قال تعالى:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255] وإليك شرح هذه الآية العظيمة التي تحدّث الله فيها عن نفسه عزَّ وجل:

ـ ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾:

هذا من تمام حياته وقيوميته، أنه تبارك وتعالى ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾، أي: لا يعتريه نعاس ولا نوم؛ لأنهما من أعراض البشرية، والله بخلاف ذلك.

ـ (السِنة): ابتداء النعاس، ثم يصير نومًا، و(النوم) أقوى من السِنة، وإذا كان ذلك كذلك فإن: نفي استيلاء السنة والنّوم على الله تعالى تحقيق لكمال (الحياة) ودوام التدبير وإثبات لكمال (العلم)، والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال.

والخلاصة: إن هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أتمّ وجه، إذ من تأخذه السنة والنوم يكون ضعيف الحياة، ضعيف القيام بشؤون نفسه وبشؤون غيره (العود، ص 86).

ـ ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾:

لما كان الله سبحانه وتعالى دائم القيام في ملكه، وليس لأحد معه تعالى فيه شركة ولا لأحد عليه سلطان، قرّر عزَّ وجل قيوميته هذه بقوله ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ، أي: جميع من فيهما وما فيهما ملكه، يتصرّف وحده بحكمته وقدرته وعنايته، وأن جميع عبيده وملكه تحت قهره وسلطانه.

ـ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾:

أي: ليس لمخلوق كائنًا من كان، لا مَلَكَ مقرّب ولا نبيّ مرسل شفاعة ولا ضراعة عند الله عزَّ وجل إلا برضاه وبعد إذنه، فإن (الشفاعة) كلها لله وحده وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عزَّ وجل، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له من الله في الشفاعة (العود، ص 88-91).

إن الله تعالى لا يشفع عنده أحد بحق وإدلال؛ لأن المخلوقات كلها ملكه، ولكن يشفع عنده من أراد هو أن يظهر كرامته عنده، فيأذن له بأن يشفع فيمن أراد (ابن عاشور، 3/21).

ـ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾:

أي: إنَّ الله عزَّ وجل عالم بكل ما في السماوات وما في الأرض من شؤون خلقه؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها، ومن أمر الدنيا والاخرة، والمقصود من ذلك: عموم العلم بسائر الكائنات في الأرض وفي السماوات (العود، ص 94).

وإنَّ الله عزَّ وجل عالمٌ بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه حتى بعلم دبيب النملة السّوداء في الليلة الظّلماء على الصخرة الصّماء تحت الأرض الغبراء، وحركة الذرة في جو السماء والطير في الهواء والسمك في الماء (القنّوجي، 1/423)، فلا تخفى عليه غائبة في الأرض ولا في السماء ولا ما بينهما، فهو عالم بخفايا وأسرار ملكه ومخلوقاته سبحانه وتعالى.

- ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾:

أي: لا يدركون من العلم أو المعرفة إلا بقدر ما عرّفهم به أو منه رب العالمين، الذي علّم الإنسان ما لم يعلم (العود، ص 96)، فآتاهم الله من علمه ما شاء وكما شاء، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (الشافعي، ص 485).

لا يطّلع أحد من علم الله على شيء إلا بمشيئة الله وتعليمه، فما عَرفه الإنسان من عالم الغيب وما عرفه الإنسان من عالم الشهادة وقوانين هذا الكون وكيفية تسخيره إلا بمشيئة الله وتعليمه، فهو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وهو الذي علّم كل شيء ما علم (حوى، 1/596).

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على سعة علم الله عزَّ وجل، وأنه محيط بكل شيء قَلَّ أو أكثر صغر أو عظم، كما جاء تحديدًا في آية سورة يونس: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: 61] إنَّ علم الله تعالى محيط بتفاصيل الأمور؛ متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء، ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علّمهم الله تعالى (السعدي، 1/112).

ـ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾

إنَّ الكرسي هو كناية في الآية عن عظم العلم وشموله واتساعه وتفسيره بعظم السلطات يتناسب مع قوله تعالى بعد ذلك: وتفسيره بمعنى شمول العلم يتناسب مع قوله سبحانه قبل ذلك، ولذلك يصح أن تقول إن قوله تعالى: كناية عن عظم قدرته ونفوذ إرادته وواسع علمه وكمال ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، وقد فسر ذلك عبد الله بن عباس بأن (كرسيه) علمه، هو كناية عن سعة الملك وسعة العلم (أبو زهرة، 2/940-941).

وهذه الصورة تمنح الحقيقة المراد تمثيلها للقلب قوة وعمقًا وثباتًا، فالكرسي يستخدم عادة في معنى الملك، فإذا وسع كرسيه السماوات والأرض فقد وسعهما سلطانه، وهذه هي الحقيقة من الناحية الذهنية، ولكن الصورة التي ترتسم في الحس من التعبير المحسوس أثبت وأمكن (سيد قطب، 1/290).

تأتي لتقرير ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ تضمنته (الجمل) كلها من عظمة وكبرياء وعلم وقدرة في حق (الله) عزَّ شأنه وجل في علاه، ولبيان عظمة خلقه في مخلوقاته المستلزمة عظمة شأنه، أو إظهار سعة ملكه (ابن عاشور، 5/11).

ـ ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾:

أي: إنَّ الذي خلق ما في السماوات وما في الأرض من مخلوقات كثيرة، لا يشق عليه عزَّ وجل حفظها ولا يعجز عن رعاية ما أوجده فيهما ولا يثقله تعالى تسيير شؤونهما حسبما قضاه وقدّره فيهما (العود، ص 101)، فسبحان من تقوم السماء بأمره وتدور الأرض بوحيه، رفع الجبال وأجرى الأنهار وحّرك الهواء وشقّ الحب وأخرج الثمار، والوجود قبضته وكل ما فيه إنما إرادته، لا تعصيه سماء ولا تخرج عن طاعته أرض ولا سحاب (العود، ص 102).

ـ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾:

أي: الله تعالى فوق خلقه، فلا يعلو إلى مقامه الرفيع أحد، وهو أيضًا الكبير ذو الهيبة والجلال المتعالي بعظمته جل جلاله على كل عظيم.

ـ (العلي): الذي علا عن كل عيب وسوء ونقص، أو المتنزه عن صفات المخلوقين (عيسى السعدي، ص 102).

ـ (العلي): يفسر بأنه أعلى من غيره قدرًا، فهو أحق بصفات الكمال، ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر والغلبة فيعود إلى أنه القادر عليهم وهم المقدرون، وكأن النبي (ﷺ) يستفتح دعائه: سبحان ربّي العليّ الوهّاب، فكان النبي (ﷺ) إذا سجد ـ أي في صلاته ـ قال: سبحان ربي الأعلى (ثلاث).

ـ (العظيم): الذي قد كمل في عظمته (العود، ص 103)، فهو عظيم في ذاته وصفاته، فذاته العليّة جَلَّت عن المشابهة وهو الخالق القاهر القادر، وهو وحده الإله المعبود بحق، وهو الذي يسبح كل شيء في الوجود بحمده، فهو العظيم وحده، والمعبود وحده المعظم وحده، وإذا كانت غواشي الحياة قد أضلت الأكثرين فلم يدروا عظمته في الفانية فستنجلي لهم عظمة ذي الجلال في الباقية (أبو زهرة، 2/942).

المصادر والمراجع:

1. الجزائري، أبو بكر. أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، السعودية، ط5، 2003م.

2. الزحيلي، وهبة. التفسير المنير، دمشق: دار الفكر، ط1، 1411هـ، 1992م.

3. ابن كثير، إسماعيل الدمشقي. تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، القاهرة: دار الحديث، 1415هـ، 1994م.

4. العود، صالح علي. السر القدسي في فضائل ومعاني اية الكرسي، دار ابن حزم، ط1، 2010م.

5. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الدمام: دار ابن الجوزي، ط4، 1435هـ.

6. سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط 38، 1430هـ، 2009م.

7. ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، دون تاريخ.

8. القنّوجي، أبو الطيب محمد صديق البخاري. فتح البيان في مقاصد القران، صديق حسن خان القنوجي. تقديم ومراجعة: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، المكتبة العصريَّة للطباعة والنشر، صيدا، بيروت، 1412 هـ 1992م.

9. الشافعي، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، مكتبه الحلبي، مصر، ط1، 1358هـ/1940م.

10. حوى، سعيد. الأساس في التفسير، دار السلام، القاهرة، ط1، 1405هـ، 1985م.

11. أبو زهرة، محمد. زهرة التفاسير، القاهرة: دار الفكر العربي، 2008م.

12. السعدي، عيسى. دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه، كليّة التربية بالطائف، قسم الدراسات الإسلاميّة، السعودية.


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022