مدين... أرض شعيب (عليه السلام) وشاهدٌ على امتداد الرسالات وحركة الحضارات
د. علي محمد الصلابي
وأمّا (مدين) فهو اسم علم أُطلق على هؤلاء القوم الذين بعث الله لهم شعيبًا نبيًا. و(مدين) مشتق من (مَدَن)، تقول: مَدَن بالمكان إذا أقام فيه. وسُمِّيت المدينة بذلك لأن يكثر سكانها الذين يقيمون فيها، ومعنى الإقامة في المدينة ملحوظ واضح، إذن فـ(مدين) تُطلق على القبيلة وعلى المدينة.
ذكر كثير من المؤرخين أنّ قبيلة مدين تنتسب إلى مدين بن إبراهيم (عليه السلام). وقال العلّامة سليمان الندوي – رحمه الله –: كانت لإبراهيم (عليه السلام) ثلاث نسوة: سارة، وهاجر، وقَطُورا. وُلِد له من سارة إسحاق، وكان لإسحاق ابنان: يعقوب، وهو أبو بني إسرائيل، وعيسو الذي كان يُلقب بأدوم. واعتزل أدوم أخاه، وانضم إلى عمّه إسماعيل في بلاد العرب وسكن بها، وأمّا إسرائيل وبنوه فسكنوا في بلاد مصر والشام.
وأسكن إبراهيم (عليه السلام) جميع بنيه من قطورا، وكان أحدهم مدين في بلاد العرب، ولا يُعرف من بينهم إلا مدين ودَدان. ووُلِد له من هاجر ابن واحد، وهو إسماعيل (عليه السلام) الذي سكن في بلاد العرب بأمر أبيه.
مكان مدين:
قام مدين بمسكنه إلى جانب أخيه إسماعيل، وكانت بلاد مدين تقع على طول سواحل خليج العقبة (أَيْلَانة)، من فم الخليج إلى ساحل البحر الأحمر، وأرض ثمود والحجاز حيث كانت مساكن ثمود وجرهم والعرب من بني إسماعيل.
تاريخ مدين:
قال العلّامة سليمان الندوي – رحمه الله –: نفترض بداية عهد مدين 2000 قبل الميلاد، فإن عهد والد مدين إبراهيم (عليه السلام) 2100 أو 2200 قبل الميلاد. وتحتاج الأسرة لتكون قبيلة أو قومًا إلى مئة أو مئتي سنة على الأقل. ومن ثم نرى مدين أول مرة يظهرون في التوراة في عهد يعقوب (عليه السلام) سنة (2000 قبل الميلاد) تجارًا.
إن قافلة التجارة التي حملت يوسف (عليه السلام) من كنعان إلى مصر كانت مكوَّنة من عرب مدين وبني إسماعيل (تاريخ أرض القرآن، سليمان الندويّ، ص334).
فيراد بالسيّارة في الآية القرآنية:
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ١٩ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ٢٠﴾ [يوسف: 19-20].
أي: أهل مدين، وهذا ما فهمه البغوي في تفسيره وهذا يدل على التواصل التجاري بين بني إسماعيل ومدين مع أهل مصر قديمًا. وكانت بضائع هذه القافلة من العطور والبخور والصنوبر واللبان.
حدود مدين:
كانت حدود أرض مدين متغيرة ومتبدلة تبعًا لقوتها، لذا لا نجد تحديدًا قاطعًا لامتدادها. يقول الأستاذ تركي بن إبراهيم: يمكننا القول إن أرضها تمتد من الجهة الجنوبية الشرقية من صحراء سيناء إلى الجهة الشمالية الغربية من جزيرة العرب، وتحديدًا بين العُلا والشام على امتداد بحر القلزم، أي تقع بين المويلح جنوبًا إلى العقبة شمالًا، وتمتد شرقًا حتى تبوك. وتشير الدراسات الحديثة إلى أنّ حدود مدين شملت تيماء في مرحلة من تاريخها، حيث يؤكد الباحث جرومان أنّ تيماء كانت إحدى مدن مدين.
ويدل لجوء موسى (عليه السلام) إلى مدين على أنها لم تكن خاضعة لسيطرة فرعون مصر. وجاء في المواعظ والاعتبار للمقريزي: خرج موسى متوجهًا إلى مصر، والملك يومئذ على مدين "أبجد". قال: وقوي أمر أبجد فطغى حتى ملك الحجاز واليمن، وكان له خمسة أولاد: هوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت.
ويقال إن ملوك مدين حكموا مصر خمسمائة عام بعد غرق فرعون وهلاك جنوده، حتى أخرجهم منها نبي الله سليمان بن داوود، فعاد الملك بعدهم إلى القبط كما بيّن لنا العلّامة أبو العباس المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار، المعروف باسم خطط المقريزي. وإن مدين بين الحجاز وفلسطين ومصر.
وقال الأستاذ حمد الجاسر – رحمه الله –: يُطلق هذا الاسم (مدين) على الأرض الممتدة من طرف خليج العقبة شمالًا إلى قرب ميناء الوجه جنوبًا. هذا في العهد القريب، وقديمًا كانت تشمل قسمًا من فلسطين وسيناء على ما يُفهم مما ذكره المقريزي (مدين بلد نبي الله شعيب، تركي إبراهيم، ص11).
الموقع الاستراتيجي لمدين:
تكتسب بلاد مدين أهمية كبرى لموقعها الاستراتيجي، فهي تربط بين جنوب الجزيرة وشمالها الغربي من جهة، وبين مراكز حضارية في العالم القديم – مثل بلاد مصر والشام – من جهة ثانية، لذا كانت مركزًا تجاريًا مهمًا في العصور الماضية. وكانت لهم تجارة معروفة مع اليمن ومصر والشام والعراق.
وكانت "البِدْع" (مغائر شعيب) من أهم المحطات في بلاد مدين على الطريق التجاري القديم، وتعد أيضًا إحدى المحطات الرئيسة على دربي الحج: الشامي والمصري؛ إذ يفترق عندها الطريق إلى مسارين: أحدهما يتجه إلى المدينة المنورة مرورًا بمحطات شعيب وبَدَا ووادي القرى، والآخر يتجه إلى مكة المكرمة مرورًا بفَبَا والوجه.
وفي العصر الإسلامي المبكر أصبحت مدين من أهم المحطات على طريق الحج الشامي والمصري. ذكر ذلك اليعقوبي حيث قال: ومن أراد أن يخرج منها (أي: مدين) إلى مكة أخذ على ساحل البحر المالح إلى موضع يُقال له "عينونا"، فيه عمارة ونخل ومطالب يطلب الناس فيها الذهب.
وقال المقريزي: ومنها – على ما يقابل الجحفة – حيث يُسمى اليوم رابغ، إلى الحوراء ومدين وأيلة والطور وفاران ومدينة القلزم.
كما قال ياقوت الحموي: ولأهل مصر وفلسطين إذا جاوزوا مدين طريقان إلى المدينة؛ أحدهما على شُعَب وبَدَا، وهما قريتان بالبداية، كان بهما بنو مروان الزهري المحدث وبها قبره، حتى ينتهي إلى المدينة على المروة. وطريق يمضي على ساحل البحر حتى يخرج بالجحفة، فيجتمع بهما طريق أهل العراق وفلسطين ومصر.
يتبين لنا مما سبق أنّ هناك عدة طرق تمر ببلاد مدين، منها الطرق التجارية ومنها طرق الحج التي تربط بلاد الشام ومصر بالأماكن المقدسة (نبي الله شعيب، د. علي الصلابي، ص30).
مدين في عيون الشعراء:
قال الشاعر الأموي جرير:
يا أمَّ طلحة ما لقينا مثلكمْ
في المُنجدين ولا بغورِ الغائرِ
رُهبانُ مدين لو رأوكِ تنزّلوا
والعُصمُ من شَعَفِ العقولِ الغادرِ
لِمَنِ الحُمولُ من الأيادي حَمَّلَتْ
كالدُّومِ أو ظُلَلِ السفينِ العابرِ
وقال أحدهم:
لو دعا هودُ النبيُّ وصالحٌ
وهما لدينِ اللهِ معتقدانِ
وبه أتى لوطٌ وصاحبُ مدينٍ
فكلاهما في الدينِ مجتهدانِ
وهو دينُ إبراهيم وابنيه معًا
وبه نجا من نفحةِ النيرانِ
وقال شاعر آخر:
يا وقعةَ التلِّ ما أبقيتِ من عجبٍ
جحافلٌ لم يُفتْ من جمعِها بشرُ
ويا ضُحى السبتِ ما للقومِ قد سُبِتوا
تهوّدوا أم بكأسِ الطواقي سَكِروا؟
ويا ضريحَ شعيبٍ ما لهم جَثَموا
كمدينٍ أم لقوا رجفًا بما كفروا؟
(مدين بلد نبي الله شعيب، سابق، ص15، 16).
المراجع:
• تاريخ أرض القرآن، سليمان الندويّ، دار القلم للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 2016م.
• مدين بلد نبي الله شعيب، تركي إبراهيم، مكتبة الرشد، ط1، 1432ه- 2011م.
• نبي الله شعيب، علي محمد الصلابي، دار ابن كثير.