من مقدمات كتاب كفاح الشعب الجزائري
(وصف حي لتسليم غرناطة)
الحلقة: الثانية
بقلم الدكتور علي محمد الصلابي
صفر 1442 ه/ سبتمبر 2020
وفي (الثاني من ربيع الأول 897هـ/كانون الثاني «يناير» سنة 1492م) وفي وقت الصباح تم تسليم المدينة، فما أن تقدم النصارى الإسبان القشتاليون من تل الرخى صاعدين نحو الحمر حتى تقدم أبو عبد الله الصغير، وهو يلبس أثواب الهزيمة، وعلى وجهه العار والشنار، وقال للقىء د القشتالي بصوت مسموع: هيا يا سيدي في هذه الساعة الطيبة وتسلّم القصور ـ قصوري ـ باسم الملكين العظيمين ؛ اللذين أراد لهما الله القادر أن يستوليا عليها، لقضىء هما وزلات المسلمين.
وتم تسليم القصور الملكية والأبراج على يد الوزير ابن كماشة ؛ الذي ندبه أبو عبد الله الصغير للقيام بهذه المهمة، وما كاد الكردينال وصحبه يجوزون إلى داخل القصر المنيف حتى صعدوا ووضعوا فوق برجه الأعلى صليباً كبيراً فضياً، وبجانبه علم قشتالة وعلم القديس ياقب. وأعلن من فوق البرج ثلاثاً أن غرناطة أصبحت ملكاً للملكين الكاثوليكيين.
وأخذ رنين وبكاء يتردد في غرف قصر الحمراء وأبهىء ه، وكانت الحاشية منهمكة في حزم أمتعة الملك المخلوع في ركب قاتم مؤثر ، يحمل أمواله وأمتعته، ومن ورائه أهله وصحبه القلائل، وبعض الفرسان المخلوعين
وكانت أمه الأميرة عائشة تمتطي صهوة جوادها، يشعّ الحزن من محياها الوقور، وحين بلغ الباب الذي سيغادر منه المدينة إلى الأبد ضج الحراس بالبكاء، وتحرك نحو منطقة الشرات، وفي شعب من الشعاب المطلة على غرناطة وقف أبو عبد الله الصغير مودعاً لمدينته وملكه ؛ فأجهش بالبكاء على هاتيك الربوع العزيزة، فصاحت به أمه عىء شة الحرة: ابك مثل النساء مُلكا مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.
إن هذه الكلمة حريّ بها أن تكون إطاراً لمأساة غرناطة، وقد جمعت فيها كل العبر والأمثلة والحِكَم.
يقول الأستاذ نجيب زبيب عن هذه الكلمة: ولما حاولت التعليق عليها ارتعشت يدي وتساقطت الدموع من عيني أسى وخشوعاً وتهيباً من عظمتها ؛ لأنها أصبحت كلمة تاريخية، لا بل وأعظم كلمة قيلت في سقوط غرناطة.
ولقد صور أحد الشعراء على لسانها قولها:
تذكر الله باكياً هل يرد الدمع مجـــــــداً ثـــوى وعــــــــــــاراً أقــــــــــاما
هدّني فوق خطبنا أنك ابني يالأم تسقى العذاب تؤاما
لم تصن كالرجال ملكاً فأمسى ركنه اندك فابكه كالأيامى
يقول المؤرخ عنان: وتحتل شخصية عىء شة الحرة في حوادث سقوط غرناطة مكانة بارزة، وليس ثمة في تاريخ تلك الفترة شخصية تثير من الإعجاب والاحترام، ومن الأسى والشجى قدر ما تثير هذه الأميرة النبيلة من شجاعة وإقدام وتضحية.
إن لبعض النساء مواقف مشرفة في تاريخ الأندلس الجهادي، تصلح نبراساً لفتياتنا وأمهاتنا وبناتنا وأخواتنا، وما قصة عىء شة الحرة مع ابنها إلا واحدة منها.
وبعد شهور من سقوط غرناطة غادر أبو عبد الله الصغير إلى الغرب مع أسرته وأمواله، ونزل مدينة مليلة ثم استقر في فاس، مستجيراً بالسلطان أبي عبد الله محمد الشيخ زعيم بني وطاس، معتذراً عما أصاب الإسلام في الأندلس على يديه، ونظم أبو عبد الله محمد بن عبد الله العربي العقيلي هذا الاعتذار شعراً، وقدّمه على لسان أبي عبد الله الصغير لزعيم بني وطاس في رسالة، ومنها في مطلعها:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم رعيا لما مثله يُرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن جار الزمان عليه جور منتقم
حتى غدا ملكه بالرغم مستلباً وأفظع الحظ ما يأتي على الرغم
حكم من الله حتى لا مردّ له وهل مرد لحكم منه منحتم
وهي الليالي وقاك الله صولتها تصول حتى على الاساد في الأجم
كنا ملوكاً لنا في أرضنا دول نمنا بها تحت أفنان من النعم
فأيقظتنا سهام للردى صبب يرمى بأفجع حتف من يهن رُمي
فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا وأي ملك يظل الملك لم ينم
يبكي عليه الذي قد كان يعرضه بأدمع مزجت أمواهها بدم
ومرت سنون، وخبا أثر سقوط الأندلس شيئاً فشيئاً من نفوس المسلمين، وأسدل ستار المسلمين، وأسدل ستار من النسيان عليه، ولكن مأساة المسلمين المتنصرين أو «الموريسكيين» لم تقف، وظهرت محاكم التفتيش ؛ التي هدفت إلى إبادة المسلمين في الأندلس.
لقد بدأت بسقوط غرناطة مرحلة مؤلمة ومؤسفة لشعب مغلوب، وعدو خىء ن نقض شروط المعاهدة بنداً بنداً، فمنعوا المسلمين من النطق بالعربية في الأندلس، وفرضوا إجلاء العرب الموجودين فيها، وحرق من بقي منهم، وزاد الكردينال «كمينس» على ذلك؛ فأمر بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية ونظمت أكداساً في أكبر ساحات المدينة، وفيها علوم لا تقدر بثمن، بل هي خلاصة ما بقي من الفكر الإنساني، وتمّ حرقها.
لقد ظن رئيس الأساقفة بفعله هذا أنه سوف يقضي على الإسلام في إسبانيا وأنى له هذا؟ وقد تركت حضارة الإسلام في الأندلس من الاثار ما يكفي لتخليد ذكرها على مر الدهور وكر العصور، وإن للإسلام جولة وصولة من جديد بإذن الله في ديارنا التي سلبت من أيدينا، وسيكون ذلك قريباً عندما يمكن الله لهذه الأمة، وإنها لتمر في مراحلها المعاصرة نحو وعد الله بالنصر والفوز والفلاح {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا *} [الإسراء :51].
محاكم التفتيش:
هدفت إلى تنصير المسلمين بإشراف السلطات الكنسية، وبأشد وسىء ل العنف، ولم تكن العهود التي قطعت للمسلمين لتحول دون النزعة الصليبية، التي أسبغت على السياسة الإسبانية الغادرة ثوب الدين والورع، ولما رفض المسلمون عقائد النصارى، ودينهم المنحرف، وامتنعوا عنه وكافحوه، اعتبرهم نصارى الإسبان ثواراً وعمالاً لجهات خارجية في المغرب والقاهرة والقسطنطينية، وبدأ القتل فيهم، وجاهد المسلمون ببسالة في غرناطة واليازين والبشرات، فمزقوا بلا رأفة ولا شفقة ولا رحمة وفي (تموز «يوليو» 1501م)، أصدر الملكان الكاثوليكيان أمراً خلاصته: «إنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة، فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال».
فهاجرت جموع المسلمين إلى المغرب ناجية بدينها، ومن بقي من المسلمين أخفى إسلامه وأظهر تنصره، فبدأت محاكم التفتيش نشاطها الوحشي المروع، فعند التبليغ عن مسلم أنه يخفي إسلامه ؛ يزج به في السجن، وكانت السجون مظلمة عميقة رهيبة، تغص بالحشرات والجرذان، يقيد فيها المتهمون بالأغلال بعد مصادرة أموالهم، لتدفع نفقات سجنهم.
ومن أنواع التعذيب: إملاء البطن بالماء حتى الاختناق، وربط يدي المتهم وراء ظهره، وربطه بحبل فوق راحته وبطنه ورفعه وخفضه معلقاً، سواء بمفرده أو مع أثقال تربط معه، والأسياخ المحمية، وسحق العظام بالات ضاغطة، وتمزيق الأرجل وفسخ الفك، ولا يوقف التعذيب إلا إذا رأى الطبيب حياة المتهم في خطر، ولكن التعذيب يستأنف متى عاد المتهم إلى رشده أو جف دمه.
وقرار المحكمة لا يتم إلا عند التنفيذ في ساحة البلدة، وهو إما سجن مؤبد، أو مصادرة أموال وتهجير، أو إعدام حرقاً، وهو الحكم الغالب عند الأحبار الذين يشهدون مع الملكين الكاثوليكيين حفلات الإحراق.
ومما يذكر: أن هناك عذاباً اختص به النساء، وهو تعرية المرأة إلا ما يستر عورتها، وكانوا يضعون المرأة في مقبرة مهجورة ويجلسونها على قبر من القبور، ويضعون رأسها بين ركبتيها ويشدون وثاقها، وهي على هذه الحالة السيئة، ولا يمكنها الحراك، وكانوا يربطونها إلى القبر بسلاسل حديدية، ويرخون شعرها فيجللها وتظهر لمن يراها عن كثب كأنما هي جنية لا سيما إذا ما أرخى الليل سدوله، وتترك المسكينة على هذه الحال إلى أن تجن أو تموت جوعاً ورعباً.
لقد قام النصارى بإجبار المسلمين على الدخول في دينهم، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق فيها من يقول، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إلا من يقولها في قلبه، وفي خفية من الناس، وجعلت النواقيس في صوامعها بعد الأذان، وفي مساجدها الصور والصلبان بعد ذكر الله وتلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية وقلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعذورين، والذين لم يقدروا على الهجرة واللحاق بإخوانهم المسلمين ؛ قلوبهم تشتعل ناراً، ودموعهم تسيل غزيراً، وينظرون إلى أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان ويأكلون الخنازيروالميتات، ويشربون الخمر التي هي أم الخبىء ث والمنكرات، فلا يقدرون على منعهم، ولا على نهيهم، ومن فعل ذلك عوقب أشد العقاب، فيالها من فجيعة ما أمرَّها!. ومصيبة ما أعظمها!. وطامَّة وما أكبرها!.
ـ وانطفأ من الأندلس الإسلام والإيمان، فعلى هذا فليبك الباكون، ولينتحب المنتحبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
ـ لقد كانت محاكم التفتيش والتحقيق مضرب المثل في الظلم والقهر والتعذيب.
ـ كانت تلك المحاكم والدواوين تلاحق المسلمين حتى تظفر بهم بأساليب بشعة تقشعر لها القلوب والأبدان.
فإذا علم أن رجلاً اغتسل يوم الجمعة يصدر في حقه حكمٌ بالموت، وإذا وجدوا رجلاً لابساً للزينة يوم العيد عرفوا أنه مسلم فيصدر في حقه الإعدام، لقد تابع النصارى الصليبيون المسلمين ؛ حتى إنهم كانوا يكشفون عورة من يشكّون أنه مسلم، فإذا وجدوه مختوناً، أو كان أحد عىء لته كذلك فليعلم أن الموت نهايته هو وأسرته.
وكان دستور محاكم التفتيش في ديوان التحقيق يجيز محاكمة الموتى والغىء بين، وتصدر الأحكام في حقهم، وتوقع العقوبات عليهم كالأحياء، فتصادر أموالهم، وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو تنبش قبورهم ويُستخرج رفاتهم لتحرق في موكب (الأوتودافي) ، وكذلك يتعدى أثر الأحكام الصادرة بالإدانة من المحكوم عليه إلى أسرته وولده، فيقضى بحرمانهم منتولي الوظائف العامة وامتهان بعض المهن الخاصة.
وكان أعضاء محاكم التفتيش يتمتعون بحصانة خارقة، وسلطان مطلق، تنحني أمامه أية سلطة، وتحمي أشخاصهم، وتنفذ أوامرهم بكل وسيلة، وكان من جراء هذه السلطة المطلقة أن ذاع في هذه المحاكم التعسف وسوء استعمال السلطة، والقبض على الأبرياء، بل كثيراً ما وجد بين المحققين رجال من طراز إجرامي لا يتورعون عن ارتكاب الغصب والرشوة، وكانت أحكام الغرامة والمصادرة أخصب مورد لاختلاس المحققين والمأمورين وعمال الديوان وقضاته، وكانت الخزينة الملكية ذاتها تغنم مئات الألوف من هذا المورد، هذا بينما يموت أصحاب الأموال الطىء لة في السجن جوعاً.
وكان العرش يعلم بهذه الاثام المثيرة ولا يستطيع دفعاً لها، ولأنه كان يرى فيها في الوقت نفسه أصلح أداة لتنفيذ سياسته في إبادة الموريسكيين الذين ظلوا دائماً موضع البغض والريب، وأبت إسبانيا النصرانية بعد أن أرغمتهم على اعتناق دينها أن تضمهم إلى حظيرتها، وأبت الكنيسة الإسبانية أن تؤمن بإخلاصهم لدينهم الجديد، ولبثت تتوجس من رجعتهم وحنانهم لدينهم القديم وترى فيهم دائماً منافقين مارقين.
وإليك ما يقوله في ذلك مؤرخ إسباني كتب قريباً من ذلك العصر، وأدرك المورسيكيين، وعاش بينهم حيناً في غرناطة: «وكانوا يشعرون دائماً بالحرج من الدين الجديد، فإذا ذهبوا إلى القداس في أيام الاحاد فذلك فقط من باب مراعاة العرف والنظام، وهم لم يقولوا الحقىء ق قط خلال الاعتراف، وفي يوم الجمعة يحتجبون ويغتسلون ويقيمون الصلاة في منازلهم، وفي أيام الاحاد يحتجبون ويعملون، وإذا عُمِّد أطفالهم عادوا فغسلوهم سراً بالماء الحار، ويسمون أولادهم بأسماء عربية، وفي حفلات الزواج متى عادت العروس من الكنيسة بعد تلقي البركة ؛ تنزع ثيابها النصرانية وترتدي الثياب العربية، ويقيمون حفلاتهم وفقاً للتقاليد العربية».
وقد وصلت إلى المؤرخين وثيقة هامة تلقي ضوءاً أكبر على أحوال المورسيكيين في ظل التنصير وتعلقهم بدينهم القديم، كيف كانوا يحتالون لمزاولة شعىء رهم الإسلامية خفيةً، ويلتمسون من جهة أخرى سىء ر الوسىء ل والأعذار الشرعية التي يمكن أن تبرر مسلكهم وتشفع لهم لدى ربهم.
فتاوى هامة بخصوص الذين أكرهوا على التنصير:
وهذه الفتاوى عبارة عن رسالة وجهت من أحد فقهاء المغرب إلى المسلمين الذين أكرهوا على التنصير، حيث قدم لهم بعض النصىء ح التي تعين أتباعها على تنفيذ أحكام الإسلام عند الإكراه من قبل القوة النصرانية الحاقدة، وكان تاريخ هذه الرسالة سنة (910هـ/28 نوفمبر 1504م) وهذا نص الفتاوى:
«الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليماً:
إخواننا القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، من أجزل الله ثوابهم فيما لقوا في ذاته، وصبّروا النفوس والأولاد في مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله من مجاورة نبيه في الفردوس الأعلى من جناته، وورثوا سبيل السلف الصالح في تحمل المشاق وإن بلغت النفوس إلى التراق، نسأل الله أن يلطف بنا وأن يعيننا وإياكم على مراعاة حقه بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، بعد السلام عليكم من كاتبه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد بن بو جمعة المغراوي ثم الوهراني، كان الله للجميع بلطفه وستره، سىء لاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء، وبحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم من الأبرار، ومؤكداً عليكم في ملازمة دين الإسلام، امرين به من بلغ من أولادكم إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بتوبتكم، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحي بين الموتى، فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود، لا يضر ولا ينفع، وأن الملك ملك الله، ما اتخذ الله من ولد، وماكان معه من إله، فاعبدوه واصطبروا لعبادته، فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو عطاء؛ لأن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم، والغسل من الجنابة ولو عَوْماً في البحور، وإن مُنعتُم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء، وعليكم بالتيمم ولو مسحاً بالأيدي للحيطان، فإن لم يكن فالمشهور سقوط الصلاة، وقضاؤها لعدم الماء والصعيد، إلا أنه يمكنكم الإشارة إليه بالأيدي والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء. (نقله ابن ناجي في شرح الرسالة لقوله (ص) «فائتوا منه ما استطعتم»).
وإن أكرهوكم في وقت صلاة إلى السجود للأصنام، أو حضور صلاتهم فأحرموا بالنية، وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم، ومقصودكم الله، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم، كصلاة الخوف عند الالتحام، وإن أجبروكم على شرب خمر فاشربوه لا بنية استعماله، وإن كلّفوكم خنزيراً فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرم، وإن زوجوكم بناتهم فجائز لكونهم أهل كتاب، وإن أكرهوكم على إنكاح بناتكم منهم فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه ؛ وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيرتموه. وكذا إن أكرهوكم على ربا أو حرام فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلا رؤوس أموالكم وتصدقوا بالباقي إن تبتم لله تعالى، وإن أكرهوكم على كلمة الكفر فإن أمكنكم التوبة والإلغاز فافعلوا وإلا فكونوا مطمئني القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك، وإن قالوا: اشتموا محمداً فإنهم يقولون لهم مُمداً، فاشتموا مُمداً، ناوين أنه الشيطان، أو مُمد اليهود، فكثير بهم اسمه وإن قالوا: عيسى توفي بالصلب، فانووا من التوفّية الكمالَ والتشريف من هذه وإماتته وصلبه، وإنشاد ذكره إظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو. وما يعسر عليكم فابعثوا فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به.
وأنا أسأل الله أن يديل الكرّة للإسلام ؛ حتى تعبدوا الله ظاهراً بحول الله من غير محنة ولا وجلة ، بل بصدمة الترك الكرام، ونحن نشهد لكم بين يدي الله أنكم صدقتكم الله ورضيتم به، ولا بد من جوابكم والسلام عليكم جميعاً. بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسعمئة عرف الله خبره. (يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى)».
قواعد محاكم التفتيش في معاملة من أكرهوا على النصرانية:
لقد نقل مؤرخ ديوان التفتيش الإسباني (الدون روني) إلى المؤرخين وثيقة من أغرب الوثىء ق القضىء ية، تضمنت طىء فة من القواعد والأصول ؛ التي رأى الديوان المقدس أن يأخذ بها المسلمين المتنصرين بتهمة الكفر والمروق، وإليك ما ورد في تلك الوثيقة الغريبة.
يعتبر الموريسكي ـ وهو المسلم الذي أكره على الدخول في النصرانية، أو العربي المتنصر ـ قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح دين محمد، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهاً، وليس إلا رسولاً، أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أمه، ويجب على كل نصراني أن يبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضاً أن يبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع بأن أحداً من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم في يوم الجمعة وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدي ثياباً أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق قىء لاً باسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التي لم تذبح أو ذبحتها امرأة، أو يختن أولاده، أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته في اتباعه هذه العادة أو يقول: إنه يجب ألا يعتقد إلا بالله وبرسوله محمد، أو يقسم بأيمان القران، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر (السحور)، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة بأن يوجه وجهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سوراً من القرآن ، أو يتزوج طبقاً لرسوم الشريعة الإسلامية، أو ينشد الأغاني العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب في أيديهن أو شعورهن، أو يتبع قواعد محمد الخمس، أو يلمس بيديه على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذاً لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم في أثواب جديدة، أو يدفنهم في أرض بكر، أو يغطي قبورهم بالأغصان الخضراء، أو أن يستغيث بمحمد وقت الحاجة، منعتاً إياه بالنبي ورسول الله، أو يقول: إن الكعبة أول معابد الله، أو يقول إنه لم يُنصْر إيماناً بالدين المقدس، أو أن اباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله، لأنهم ماتوا مسلمين.
لقد استمرت محاكم التفتيش الظالمة، وأصبح لهذا العمل الفظيع والحقير تلاميذ في الديار الإسلامية والعربية، يمارسون القهر والظلم والجور بكل أنواعه على أبناء المسلمين ؛ الذين يطالبون بإعادة نظام الحكم الإسلامي في كافة حياتهم، إنها حلبة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والعدل والظلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يمكنكم تحميل كتب كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي
الجزء الأول: تاريخ الجزائر إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى
من موقع د.علي محمَّد الصَّلابي: