الأحد

1445-12-10

|

2024-6-16

الخيرية واليُسر سمتان بارزتان من سمات العدل

بقلم: د. علي محمد الصلابي ...

إن أساس العدل هو طاعة الله، واتباع أوامره، والانتهاء عن نواهيه، ومما جعل العدل قيمة عظيمة في حياة الشعوب والأمم، هو ارتباطه بتحقيق مفهوم عمارة الأرض، والتكليف الرباني للإنسان في أرضه. ولعل من أهم ملامح العدل الخيرية واليُسر ورفع الحرج.

الخيرية:

قال تعالى: ُ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [ آل عمران: 110].

لم تَنَلْ هذه الأمة هذه المكانة السامقة بين الأمم مصادفة، ولا جزافاً، ولا محاباة، فالله سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون في ملكه شيء من ذلك، فكل شيء عنده بمقدار، وهو يخلق ما يشاء ويختار، وهو سبحانه عندما أخبر أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، بيّن وجه ذلك وعلته.

فبهذه الأمور الثلاثة العظيمة القدر كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، على أن هذه الأمور ليست هي كل ما كانت به هذه الأمة خير أمة، إذ هناك أمور وخلال كثيرة أهّلت هذه الأمة لهذه الخيرية، ولكن هذه الثلاثة أهمها وأعظمها، إذ لا تدوم ولا تستمر هذه الخيرية ولا تحفظ إلا بإقامتها وأدائها، فإن فقدت هذه الأمور في جيل من أجيال هذه الأمة لم يكن حرياً بهذه الخيرية التي حظيت بها هذه الأمة.

إن إيمان هذه الأمة بالله عز وجل يدل على عدلها؛ لأن الشرك بالله ظلم عظيم، ووجه كونه عظيماً أنه لا أفظع وأبشع ممن سوّى المخلوقات من تراب بمالك الرقاب، وسوى الذي لا يملك من الأمر شيئاً بمالك الأمر كله، وسوّى الناقص الفقير من جميع الوجوه بالرب الكامل الغني من جميع الوجوه. وباتفاق الجميع أن الإيمان بالله هو الأساس الذي يُبنى عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا لم يكن ثمة إيمان على أساسه يتصور المعروف فيؤمر به، والمنكر فينهى عنه، فليس هناك أمر بمعروف ونهي عن منكر بالمعنى الشرعي.

اليسر ورفع الحرج:

من ملامح العدل وأبرز سماته اليسر ورفع الحرج، وقد تقرر أن الدين هو دين الوسط فلا غلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط، واليسر ورفع الحرج مرتبة عالية بين الإفراط والتفريط وبين التشدد والتنطع، وبين الإهمال والتضييع. يقول الدكتور صالح بن حميد: إن رفع الحرج والسماحة والسهولة راجع إلى الاعتدال والوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتشديد حرج من جانب عسر التكاليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح، وعدم تحقيق مصالح الشرع.

فالتوسط هو منبع الكمالات، والتخفيف والسماحة ورفع الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل.

قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[ البقرة 185].

وقال تعالى: ُ {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا *}[ النساء 28].

وقال تعالى: َ {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى *}[ الأعلى 8].

هذه بعض الآيات التي تفيد التيسير على هذه الأمة، قال القاسمي في تفسير اية البقرة: قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الأمة، ومن أقوى الأدلة في الدلالة على رفع الحرج، قوله تعالى: َ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[ الحج  78].

قال الطبري في تفسير هذه الاية: جعل الدين واسعاً ولم يجعله ضيقاً. قال ابن كثير: أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجاً ومخرجاً.

وقال سبحانه: َ {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[ المائدة 6].

وفي سورة التوبة: َّ {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} 91].

وقال في سورة الأحزاب: َّ {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ}[ الأحزاب 38].

وفي سورة النور: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ} {حَرَجٌ}[النور: 61].

وفي هذه الآيات دلالة ظاهرة على رفع الحرج عن هذه الأمة، وأن الله لم يجعل في التشريع حرجاً، وبعض هذه الآيات وإن كانت خاصة في أحكام معينة، ولكننا نجد التعليل عاماً، فكأنما التخفيف ورفع الحرج في هذه الأحكام والفروض بإعادة الشيء إلى أصله، وهو رفع الحرج عن هذه الأمة، فكل شيء يؤدي إلى الحرج لسبب خاص أو عام فهو معفوّ عنه، رجوعاً إلى الأصل والقاعدة.

ومن أدلة عدم التكليف بما يضاد الوسع والطاقة:

قال سبحانه في سورة البقرة: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. وفي الآية نفسها: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}[ البقرة 286]. وقال الله تعالى كما في الحديث الصحيح: «قد فَعَلنا».

وكذلك قوله: َ {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [ البقرة 286].

وقد بيّن ابن القيم: أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة، وأصدقها.

 

 


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022