التسامح الديني ركيزة من ركائز الحكم الإسلامي في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه
بقلم: د. علي محمد الصلابي
إِنَّ دين الإسلام لم يُكره أحداً من النَّاس على اعتناقه، بل دعا إِلى التَّفكير، والتأمُّل في كون الله، ومخلوقاته، وفي هذا الدِّين، وأمر أتباعه أن يجادلوا النَّاس بالَّتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:256]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ﴾ [الشورى: 48]. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125].
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 46] والآيات في ذلك كثيرةٌ، ولذلك نجد الفاروق في دولته حرص على حماية الحرِّيَّة الدِّينيَّة، ونلاحظ بأنَّ عمر سار على هدي النَّبيِّ(ﷺ)، والخليفة الرَّاشد أبي بكرٍ في هذا الباب، فقد أقرَّ أهل الكتاب على دينهم؛ وأخذ منهم الجزية، وعقد معهم المعاهدات، كما سيأتي تفصيله، وخُطِّطت معابدهم، ولم تهدم، وتركت على حالها، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40].
فحركة الفتوحات في عهد الفاروق الَّتي قام بها الصَّحابة تشهد على احترام الإِسلام للأديان الأخرى، وحرص القيادة العليا على عدم إِكراه أحدٍ في الدُّخول في الإِسلام، حتَّى إِنَّ الفاروق نفسه جاءته ذات يوم امرأة نصرانية عجوز كانت لها حاجةٌ عنده، فقال لها: أسلمي؛ تسلمي، إِنَّ الله بعث محمَّداً بالحقِّ، فقالت: أنا عجوزٌ كبيرةٌ، والموت إِليَّ أقرب، فقضى حاجتها، ولكنَّه خشي أن يكون في مسلكه هذا ما ينطوي على استغلال حاجتها لمحاولة إِكراهها على الإِسلام، فاستغفر الله ممَّا فعل، وقال: اللَّهمَّ إِنِّي أرشدت، ولم أكره! (معاملة غير المسلمين، إِدوار غالي ص41)
وكان لعمر - رضي الله عنه - عبدٌ نصرانيٌّ اسمه: (أشق) حدَّث فقال: كنت عبداً نصرانيّاً لعمر، فقال: أسلم حتَّى نستعين بك على بعض أمور المسلمين؛ لأنَّه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأبيت، فقال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. فلمَّا حضرته الوفاة أعتقني، وقال: اذهب حيث شئت. (نظام الحكم في الشَّريعة والتَّاريخ الإِسلامي، ظافر القاسمي، (1/58))
وقد كان أهل الكتاب يمارسون شعائر دينهم، وطقوس عبادتهم في معابدهم، وبيوتهم، ولم يمنعهم أحدٌ من ذلك؛ لأنَّ الشَّريعة الإِسلاميَّة حفظت لهم حتَّى الحرِّيَّة في الاعتقاد.
وقد أورد الطَّبريُّ في العهد الَّذي كتبه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأهل إِيلياء (القدس) ونصَّ فيه على إِعطاء الأمان لأهل إِيلياء على أنفسهم، وأموالهم، وصلبانهم، وكنائسهم (تاريخ الطَّبري (4/158))، وكتب والي عمر بمصر عمرو بن العاص لأهل مصر عهداً جاء فيه: بسم الله الرَّحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص لأهل مصر من الأمان على أنفسهم، وملَّتهم، وأموالهم، وكنائسهم، وصلبهم، وبرِّهم، وبحرهم، وأكَّد ذلك العهد بقوله: على ماضي هذا الكتاب عهدُ الله وذمَّة رسوله، وذمَّة الخليفة أمير المؤمنين، وذممُ المؤمنين. (البداية والنِّهاية، ابن كثير (7/98))
وقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ لأهل الذِّمَّة ممارسة شعائرهم الدِّينية، وأنَّهم لا يمنعون من ذلك ما لم يظهروا، فإِن أرادوا ممارسة شعائرهم إِعلاناً، وجهراً، كإِخراجهم الصُّلبان يرون منعهم من ذلك في أمصار المسلمين، وعدم منعهم في بلدانهم، وقراهم. (السُّلطة التنفيذيَّة، د. محمَّد الدَّهلوي (2/725))
يقول الشَّيخ الغزاليُّ عن كفالة الإِسلام لحريَّة المعتقد: إِنَّ الحرِّيَّة الدِّينيَّة الَّتي كفلها الإِسلام لأهل الأرض لم يُعرف لها نظيرٌ في القارَّات الخمس، ولم يحدث أن انفرد دينٌ بالسُّلطة، ومنح مخالفيه في الاعتقاد كلَّ أسباب البقاء والازدهار مثل ما صنع الإِسلام.
لقد حرص الفاروق على تنفيذ قاعدة حرِّيَّة الاعتقاد في المجتمع، ولخَّص سياسته حيال النَّصارى، واليهود بقوله: وإِنَّا أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم، يقولون فيها ما بدا لهم، وألا نحمِّلهم ما لا يطيقون، وإِن أرادهم عدوُّهم بسوءٍ قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلِّي بينهم وبين أحكامهم، إِلا أن يأتوا راضين بأحكامنا، فنحكم بينهم، وإِن غيَّبوا عنَّا؛ لم نتعرَّض لهم.
وقد ثبت عن عمر: أنه كان شديد التَّسامح مع أهل الذِّمَّة، حيث كان يعفيهم من الجزية عندما يعجزون عن تسديدها، فقد ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال: إِنَّ عمر - رضي الله عنه - مرَّ بباب قومٍ وعليه سائلٌ يسأل - شيخٌ كبيرٌ ضريرُ البصر - فضرب عضده من خلفه وقال: من أيِّ أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهوديٌّ، قال: فما ألجأك إِلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية، والحاجة، والسِّنَّ، قال: فأخذ عمر بيده، وذهب به إِلى منزله، فرضخ له بشيءٍ من المنزل، ثمَّ أرسل إِلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا، وضرباءه؛ فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثمَّ نخذله عند الهرم! ووضع عنه الجزية، وعن ضربائه، وقد كتب إِلى عمَّاله معمِّماً عليهم هذا الأمر. وهذه الأفعال تدلُّ على عدالة الإِسلام، وحرص الفاروق أن تقوم دولته على العدالة والرِّفق برعاياه ولو كانوا من غير المسلمين، وقد بقيت الحرِّيَّة الدِّينيَّة معلماً بارزاً في عصر الخلافة الرَّاشدة، مكفولةً من قبل الدَّولة، ومصونةً بأحكام التَّشريع الرَّبَّانيِّ. (عمر بن الخطاب، د. علي الصلابي، ص143 - 144)
المراجع:
فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، شخصيته وعصره، د. علي محمد محمد الصلابي، دار ابن كثير – دمشق، 1447هـ - 2025م.
معاملة غير المسلمين في المجتمع الإِسلامي، إِدوار غالي الذَّهبي، مكتبة غريب، الطَّبعة الأولى 1993 م.
نظام الحكم في الشَّريعة والتَّاريخ الإِسلامي، ظافر القاسمي، دار النَّفائس، بيروت، الطَّبعة الثَّالثة 1407 هـ 1987 م.
تاريخ الأمم والملوك، لأبي جعفر الطَّبري، دار الفكر بيروت، الطَّبعة الأولى 1407 هـ 1987 م.
البداية والنِّهاية، أبو الفداء الحافظ ابن كثير الدِّمشقي، دار الرَّيَّان، القاهرة الطَّبعة الأولى 1407 هـ 1988 م.
السُّلطة التَّنفيذيَّة، د. محمَّد الدَّهلوي، دار المعراج الدَّوليَّة الرِّياض، الطَّبعة الأولى 1412 هـ 2000 م.