تأملات تفسيرية في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
بقلم: د. علي محمد الصلابي
يفتح قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ بابًا واسعًا لفهم دقيق ومتوازن لطبيعة الاختلاف بين الجنسين في التصور القرآني، بعيدًا عن التعميم أو إساءة الفهم، فقد جاءت هذه العبارة في سياق خاص مرتبط بالنذر والخدمة في بيت الله، لتبيّن اختلاف الأدوار لا تفاوت القيم، وذلك في قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36]. كما تكشف الآية عن علم الله وحكمته في خلقه وتقديره للأمور قبل وقوعها.
لقد كانت امرأة عمران تنتظر ولداً ذكراً، فالنذر للمعابد لم يكن معروفاً إلا للصبيان، ليخدموا الهيكل وينقطعوا للعبادة والتبتل، ولكن ها هي ذي نجدها أنثى فتتوجه إلى ربها في دعاء حزين: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، فهي تتجه إلى ربها بما وجدت وكأنها تعتذر أن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة.
ـ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه ويحدثه بما في نفسه وبما بين يديه ويقدم له ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ يملك تقديماً مباشراً لطيفاً، وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم، حال الود والقرب والمباشرة والمناجاة البسيطة العبارة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد، مناجاة من يحس أنه يحدث قريباً ودوداً سميعاً مجيباً (سيد قطب، 1/393).
وقد تحدث العلماء عن معاني عميقة في الآيات السابقة في تفسيرهم لـ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ـ والهدف من هذه الجملة التأكيد على علم الله بما في بطنها عندما نذرت نذرها، وعلم الله بما ستحمل وتضع قبل أن تحمل وتضع.
إن الله هو الذي قدر أن يرزقها أنثى، لحكمة يريدها، وهو العالم بذلك، وعلم الله شامل لكل شيء محيط بكل شيء، يعلم الأشياء قبل وقوعها، ويوجدها وفق علمه بها، فمعنى جملة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ الله أعلم بالمولود الذي وضعت، وأنه أنثى، وأنه جاء على غير ما توقعته وأرادته (الخالدي، 4/176).
ـ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ هي أيضاً ليست من كلام امرأة، وإنما هي تقرير لحقيقة قاطعة أراد الله بيانها في هذا الموضوع، وهذه الجملة خاصة بالسياق الذي وردت فيه، وهو نذر ما في بطن امرأة عمران للعبادة والخدمة والوقف.
والمعنى: ليس الذكر كالأنثى في هذا المجال، لأن خدمة بيت الله، والتفرغ لعبادة الله في بيت الله لا يتساوى فيه الذكر والأنثى، فهو يحتاج إلى مزيد من الجهد، والقوة والجلد والتحمّل والصبر، يبذل فيه صاحبه كثيراً من الطاقة البدنية. وليس الذكر كالأنثى في هذا المجال، فالأنثى قد لا تقدر على أداء ذلك بصورة جيدة، فالذكر أكثر قوة وطاقة وجلداً من الأنثى.
ولا نرى أن تُعمم هذه الجملة ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ لتشمل جميع مجالات بين الرجال والنساء، ولا نرى استنطاق هذه الجملة لتدل على التفضيل المطلق للرجال على النساء في كل شيء.
ولا يوجد نصٌّ صريح في تفضيل الذكور على الإناث تفضيلاً ذكورياً، لذكر أفضل باعتباره ذكراً من الأنثى لا يوجد نصّ على ذلك، بل القرآن صريح في اعتماد التقوى أساس التفضيل والتفاضل والتكريم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. أكرمكم عند الله أتقاكم، سواء كان ذكراً أم أنثى، واللطيف في المعنى اللغوي لكل من الذكر والأنثى أنه قائم على أساس التفريق المعنوي بينهما.
إن معنى (الذكر) قائم على الشدة والقوة واليبوسة، ومعنى (الأنثى) قائم على الليونة والنعومة، فالله حكيم في خلق كل من الذكر والأنثى، فلم يجعلهما متماثلان في كل شيء وفي موضوع الشدة والصلابة جعل الذكر أقوى من الأنثى، الذكر هو الأشد والأمتن والأقوى والأصلب، ليؤدي رسالته في الحياة، والأنثى هي الأكثر ليونة وسهولة، هي المتكسرة الرقيقة اللطيفة لتؤدي وظيفتها وتكون مطلوبة مرغوباً فيها، وصدق الله القائل (وليس الذكر كالأنثى) (الخالدي، 4/176).
− و(مريم) اسم الأنثى الوحيد المذكور في ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾، أما النساء الأخريات فإنهن يذكرن بألقابهن وكناهن فيقال: (أم موسى) و(أخت موسى) و(امرأة فرعون) وهكذا (الخالدي، 4/178).
ومعنى (مريم) في لغتهم ـ كما جاء ـ العابدة وهي تتمنى أن تكون وليدتها عابدة خاشعة لرب العالمين وإذا كانت سمتها ساعة ولادتها بهذا الاسم، فهذا يدلُّ على امتلائها ووعيها بالغاية التي تريدها من مولودها منذ أن كانت تحنُّ للولد وتتضرع إلى الله أن يرزقها إياه، ولهذا عجلت وأعلنت اسمها تفاؤلاً وأملاً (حمادة، ص 235).
وفي هذه التسمية أشارت إلى عزمها على إمضاء نذرها ورجائها أن يكون عند الله مقبولاً، والسعي في التقرب إليه سبحانه وتعالى وإظهار أنها غير راجعة في نيتها، وإن كان ما وضعته أنثى، وأنها وإن لم تكن خليقة بسدانة بيت المقدس فلتكن من العابدات فيه (الشرقاوي، 2/607).
المصادر والمراجع:
1. سيد قطب، في ظلال القرآن.
2. الخالدي، صلاح. القصص القرآني: عرض وقائع وتحليل أحداث.
3. حمادة، فاروق. آباء وأبناء ملامح تربوية في القرآن الكريم، دار القلم، دمشق، ط1، 1997م.
4. الشرقاوي، أحمد. المرأة في القصص القرآني.