الجمعة

1446-10-06

|

2025-4-4

من كتاب كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي(ج1)

استئناف الحرب بين الأمير عبد القادر وفرنسا

الحلقة: السادسة والأربعون

بقلم الدكتور علي محمد الصلابي

ربيع الأول 1442 ه/ نوفمبر 2020

قام المارشال بيجو بإرسال قوة مسلحة من جنوده، دخلت مناطق دولة الأمير من غير إذن من السلطات، وهذا خرق صريح لبند من بنود المعاهدة، ومرت بباب الحديد، وجاءت الأخبار عن طريق المختصين للأمير، فكتب إلى سلطان المغرب رسالة حدثه فيها عن استفزازات المحتلين، طالباً منه النصح، فجاء جواب السلطان، ومختصره ما يلي: بعد الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبيه الكريم، ابن عمنا، ومحل ولدنا الذي نظم به الله شمل الأمة، وجلّى بنور صدقه الشدائد، حامي حمى الإسلام، الأمير المجاهد الحاج عبد القادر بن محيي الدين، أيدك الله بنصره وتوفيقه، وقد وافانا الوفد من جنابكم وعملاً بحسن ظنكم قابلناه بالقبول الحسن، فأنت والحمد لله من دينك على بصيرة، ومن سياستك على أقوم سيرة، فقد مارست أحوال العدل سلماً وحرباً، واطلعت على بعض دسائس الأعداء فأمرهم كله غدر، فكن على بصيرة وأبدِ تحبباً ووداً، وانتظر غدراً وعناداً، ولقد فعل ذلك بالأندلس وأهلها، أعدل شاهد وبرهان، وليس الخبر كالعيان، قال تعالى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء : 71].وقال تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} [آل عمران: 73].
وأي خير يحبه العدو للمسلمين، فإذا كانت النهضة لله والعزيمة لنصرة الدين كللت المطالب، وإنما الأعمال بالنيات، أيدكم الله بالتوفيق من عنده، ونسأل الله أن يجدد بك الاثار، ويجعلك من الأئمة المهتدين، ويصلح بك وعلى يدك، امين. من الولي عبد الرحمن ابن المولى هشام ابن المولى محمد في أواخر ( ذي القعدة 1254هـ) وأرسل مع هذه الرسالة عدداً وافراً من الأبقار والأنعام وهدايا من المفروشات. وفهم الأمير عبد القادر من جواب السلطان تأييداً لما سيقرر.
أ ـ اجتماع الأمير مع أعيان الدولة:
وفي السادس من شهر (كانون الأول عام 1839م) عقد الأمير اجتماعاً دعا إليه كبار زعماء القبائل وأعضاء مجلس الشورى، ووزراءه وقادة الجيش، وأطلعهم على رسالة السلطان عبد الرحمن ورأيه، ومرور الجنود من باب الحديد، وأمور أخرى تدل على إمكانية الغدر وعدم الوفاء، وقال: إنني أقترح إعلان الحرب لئلا نفاجأ بما لا تحمد عقباه، شكل الأمير فوراً وزراء حرب، ولم يفرض ضرائب على السكان، مع أن زعماء القبائل عندما سمعوا نداء الحرب تسابقوا لتقديم أنفسهم وأموالهم، ولكن لم يطلب منهم شيئاً سوى عدم تقديم العون للمحتلين. وكانت استطلاعات الرأي وحماس السكان حتى في زمن السلم تقول: إن أمير البلاد إن فرض شيئاً لا يكون لنفسه، لأنه مليء بمزارعه في القيطنة وحول قصر كاشرو تمده بأكثر ما تحتاج إليه عائلته من الأموال، وأنه يعيش حياة بسيطة ليس فيها أثر للأبهة والعظمة وعظمة الملوك، وإن واردات الدولة من المناطق الشاسعة بالإضافة إلى الزكاة يبدو أنها ساهمت في بناء الدولة.
ب ـ معارضة بعض القبائل للحرب:
جاءت المعلومات الاستخباراتية للأمير بأن قبائل أولاد نائل، وأولاد مختار وموسى وعبيد ؛ شكلوا وحدة لمعارضة العودة إلى الحرب، وأنهم يستعدون لمقاومة الجيش النظامي للدولة، ويجهزون رجالهم. فعرض الأمر على أركان قادة الجيش، وأخذ القرار بالتصدي لهم، وأمر أمير البلاد بن علال بتجهيز قوة من (12) ألف فارس وعدد من المدافع لمحاصرة تلك القبائل وإرهابهم، وفي الموعد الذي حددوه لابن علال خرج من مدينة معسكر، وكان قد مضى عليه أسابيع لم يدخل داره فيها، فأرسلت إليه زوجته للعودة إلى الدار، وليوم واحد، فأجابها برسالة قصيرة، كتب لها فيها: أنتِ منذ اليوم الأول لمبايعتي قبلت عقد زفافي إلى أخرى، وهي بلادي وما عليك الان إلا الصبر الجميل، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *} [البقرة : 155].
دام حصار هؤلاء ثلاثة أيام، كانوا خلالها يتحصنون وراء متاريس أقاموها فوق المرتفعات قرب حصن بو غار، وعندما أدركوا أن لا فائدة لهم من تلك التحصينات استسلموا، وتقدم ابن المختار شخصياً ورمى سلاحه أمام الأمير وطلب العفو، ولم يكتف الأمير بالعفو عنه، وإنما عينه قائداً على تلك القبائل التي هزمت من غير قتال، وهكذا أصبح ابن المختار من أكثر المناصرين إخلاصاً للدولة، وتقدم الزعماء لتقديم الولاء للأمير، والترحيب به، وتكونت حول الأمير دائرة واسعة من الرجال، فخاطبهم الأمير بقوله: إننا لم نأت إليكم لإخضاعكم بالقوة، وإنما جئت إليكم كمجاهد يقاتل لإعلاء كلمة الله وهزم المحتلين لبلادكم، وإذا قلتم إن أعداءنا أقوى منا فالله سبحانه وتعالى قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ *} [آل عمران: 149].
ـ وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا *} [النساء : 139].
ـ وقال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *} [النساء : 138].
واستمر الأمير بمخاطبتهم بكل ود ومحبة ثم قال: إن الله بشرّنا فذكر في كتابه: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة : 249].
واعلموا أن الفرنسيين قد تركوا بلادهم وجاؤوا لأخذ أرضنا، والاستيلاء على خيرات بلادنا ليزيدوا من رفاهية شعوبهم، غير أننا سنكون الشوكة التي وضعها الله في عيونهم، وإذا وقفتم معي فسنعيدهم إلى بلادهم خاسئين، ولا أطلب منكم سوى المحافظة على قوانين دولتنا الإسلامية. إنني أدعوكم إلى الجهاد في سبيل الله، ولن أولي عليكم إلا من تريدونه وتقبلونه، وأقترح ابن سالم، ثم طلبوا من الأمير قبول ضيافتهم، ووضعوا أمامه أطباقاً مغطاة باللحوم، من كل قبيلة قصعة، فاضطر الأمير لمجاملة الجميع، فتذوق من كل قصعة لقمة، وغادرهم. ومنذ تلك الزيارة لمناطق جرجرة أصبح اسمه ملهماً لشعرائهم وموضوعاً لأغانيهم الشعبية، وأصبحت قوة الأمن أثناء الهدنة على درجة عالية من اليقظة، وبات الناس امنين في تجوالهم وحياتهم، وأصبحت المرأة تستطيع، كما يذكر المؤرخون، أن تخرج وحدها من غير خوف، واختفت البدع التي كانت تمارس في الزوايا، وعاد معظم السكان إلى هدي القرآن الذي كانوا مبتعدين عنه، ولم يعد أحد يتجرأ على شرب الخمر أو بيعه، وكذلك الميسر، وحرم الغش على التجار، وكان رجال الأمن بمثابة المحتسب في فجر الإسلام يتجولون في الأسواق، يراقبون الباعة والأسعار ويمنعون الغش والطغيان والفساد. والمناصب الحكومية لم يكن يشغلها سوى رجال عرفوا بالسمعة الطيبة والنظيفة والشخصية القوية والنسب المعروف، كانوا قدوة يحتذى بهم وحكاماً صالحين.
ج ـ رسائل الأمير إلى ملك فرنسا وقادتها:
عاد الأمير من مناطق جرجرة بعد اطمئنانه على سير الأمور فيها، وكلّف لجنة برئاسته بالتحقيق في مرور القوات الفرنسية من باب الحديد ودخولهم مدينة سطيف، وخرجت اللجنة بالتقرير الاتي: عندما شوهدت أعداد كبيرة من الجنود الفرنسيين تتجه نحو مدينة سطيف، أسرعت القبائل المقيمة في ذلك المكان، وطلب شيوخهم مقابلة قادة الجنود، فقابلهم كبار الضباط وأطلعوهم على رخص من الأمير بتوقيعه، وختمه، تسمح لهذه القوات بالمرور كزوار، وطلبوا من يرشدهم إلى باب الحديد، فرأى الشيوخ أن من واجبهم إكرام الضيوف زوار دولتهم، ولم يكن أحد منهم قد سمع بإلغاء المعاهدة والعودة إلى الحرب، فأرسلوا معهم من يرشدهم إلى الطريق وهم سعداء بتسهيل زيارة ودية للضيوف، وعادت تلك القوات بعد يومين إلى مدينة الجزائر، وكأنها انتصرت، متخيلة أنها احتلت الجزائر كلها، فأقاموا لهم الزينات، وقدمت الأوسمة. من جهة أخرى اعتبر أمير البلاد هذا الفعل غدراً ونقضاً هاماً للمعاهدة، فأرسل رسالة غاضبة شديدة اللهجة إلى ملك فرنسا، ورسالة أخرى إلى المارشال فاليه ؛ الذي قاد الحملة، قال فيها: إن القصد من فعلكم هذا إظهار التعدي على حقوقي وناقض للمعاهدة مبطل لها. وبناء عليه أعلن لكم أنني عزمت على استئناف الحرب، وبالله المستعان، فارفعوا وكلاءكم من بلادي، وأنذروا قومكم المقيمين فيها، والمسؤولية عليكم وحدكم، إن خرق المعاهدة جاء منكم، وحتى لا تتهموني بخيانة تعهداتي فإنني أخبركم أنني قررت استئناف الحرب، فاستعدوا إذن واتخذوا كل الاحتياطات التي ترونها.
د ـ نداء إلى الشعب والأوامر إلى خلفاء الأمير:
بينما كان أمير البلاد يرسل رسائل الاحتجاج إلى ملك فرنسا والمارشالات في مدينة الجزائر ؛ بنفس الوقت وجه نداء إلى شعبه والأوامر إلى خلفائه في المدن، يأمرهم بالاستعداد للحرب وبزيارات للمستشفيات وتفقد أنظمتها، وتلبية حاجتها من أطباء وممرضين وأدوية، ويكتب رسائل إلى زعماء القبائل الموالية له يطلب منهم الاستعداد للجهاد في سبيل الله، وتطهير البلاد من المحتلين والغزاة ومما جاء في ندائه الموجه إلى الشعب: ليكن في علم سائر الخلفاء والأغوات والقواد وكافة المسلمين أهل بلادنا الدائنين بطاعة الله ورسوله ثم طاعتنا ؛ وفقكم الله للقيام بفريضة الجهاد وأعانكم بالقوة والإمداد.
إن الفرنسيين قد ظهر عدوانهم واتضح اعتداؤهم، فتجاوزوا الحدود المقررة بيننا وبينهم، ومروا في بلادنا بين قسنطينة والجزائر بدون إذن منا، فتأهبوا ـ أعانكم الله ـ للحرب وهيئوا سيوفكم للطعن والضراب، واستعدوا للدفاع عن دينكم ووطنكم، وأجمعوا أمركم للذب عن موردكم وعطنكم. وحيث إن ما في بيت المال من النقود لا يفي بنفقات الحرب، فقد تعين عليكم أن تفرضوا على أنفسكم ومن يليكم إعانة جهادية، وسارعوا بالحضور إلى المدية، فإنني أنتظركم فيها. وأعلموا أن النجاح موقوف على إخلاص النية، فوجهوا قلوبكم إلى الله تعالى، واطلبوا منه تأييد كلمته وتشييد أركان دينه بكم. والسلام عليكم.
وأخذ الأمير عبد القادر يعقد اجتماعات يومية للمجلس الحربي، ويصرح في كل مرة قائلاً للقادة: إن الوقت كالسيف إن لم نقطع به الوقت قطعنا، وإنني أشعر بإيقاع الزمن الذي يجب علينا استغلاله لصالح دولتنا، يجب استدراج العدو إلى المناطق البعيدة عن المدن، لئلا تصبح هذه المدن الرائعة ساحات لمعارك دامية وخرائب تحتضن جثث الأطفال والشيوخ والمرضى، وتصبح نساؤنا عرضة للقتل أو الأسر.
كان الأمير يتحرك بسرعة هائلة ينظم ويتفقد بنفسه حاميات الحصون والمشافي الميدانية، وكان يقول: إن الحاكم الذي لا يهتم بصحة شعبه يعتبر اثماً، ومن الأنظمة التي وضعها للجيش، قانون يأمر بدقة اختيار الضباط بمواصفات محددة، أولاً: أن يكون الضابط صحيح البنية، ينحدر من أسرة معروفة أصيلة، لم يتهم بخيانة أو قتل، مثقفاً دينياً، يقوم بالفروض المعروفة في الشرع، ويمتاز بالشجاعة، متخلقاً بالأخلاق الإسلامية ورابط الجأش. ونظام الحاميات في الحصون يلزم الضابط بالعيش مع جنوده يشاطرهم معيشتهم، ويشرف على تدريبهم اليومي. ومن مهمات هذه الحصون أيضاً حماية المدن ونصب الكمائن للعدو. ويذكر المؤرخون أن هذه الاستراتيجية غطت جوانب عسكرية عديدة هجومية ودفاعية.
وبعد استكمال الأمير لهذه الجولات الميدانية والتنظيمات الإدارية والعسكرية والسياسية، صدرت أوامره إلى القيادات العسكرية بالزحف إلى معسكرات العدو.
يمكنكم تحميل كتب كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من موقع د.علي محمَّد الصَّلابي:
الجزء الأول: تاريخ الجزائر إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى
alsallabi.com/uploads/file/doc/kitab.PDF
الجزء الثاني: كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس
alsallabi.com/uploads/file/doc/BookC135.pdf
الجزء الثالث: كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال وسيرة الإمام محمد البشير الإبراهيمي
alsallabi.com/uploads/file/doc/BookC136(1).pdf
كما يمكنكم الإطلاع على كتب ومقالات الدكتور علي محمد الصلابي من خلال الموقع التالي:
http://alsallabi.com


مقالات ذات صلة

جميع الحقوق محفوظة © 2022